ثم يقول الحق سبحانه :
أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ( ٣٩ ) :
ودفاع الحق سبحانه عن الحق يأخذ صورا متعددة، فأول هذا الدفاع : أن أذن لهم في أن يقاتلوا. ثانيا : أمرهم بإعداد القوة للقتال : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل.. ( ٦٠ ) [ الأنفال ].
والمراد أن يأخذوا بكل أسباب النصر على عدوهم، وأن يستنفدوا كل ما لديهم من وسائل، فإن استنفدتم وسائلكم، أتدخل أنا بجنود من عندي لا ترونها، فليس معنى أن الله يدافع عن الذين آمنوا أن تدخل السماء لحمايتهم وهم جالسون في بيوتهم، لا إنما يأخذون بأسباب القوة ويسعون ويبادرون هم أولا إلى أسباب النصر.
ومعنى أذن.. ( ٣٩ ) [ الحج ] : أنهم كانوا ينتظرون الأمر بالقتال، ويستشرفون للنصر على الأعداء، لكن لم يؤذن لهم في ذلك، فلما أراد الله لهم أن يقاتلوا أذن لهم فيه، فقال تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ( ٣٩ ) [ الحج ] :
وعلة القتال أنهم ظلموا، لذلك أمرهم ربهم- تبارك وتعالى- أن يقاتلوا، لكن لا يعتدوا، كما قال سبحانه : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( ١٩٠ ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.. ( ١٩١ ) [ البقرة ].
إذن : أمرهم أولا بالصبر، وفي المرحلة الأولى بأن يقاتلوا لرد العدوان، وللدفاع عن أنفسهم دون أن يعتدوا، وفي المرحلة الثانية سيقول لهم : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ( ١٢٣ ) [ التوبة ].
وقوله تعالى : وإن الله على نصرهم لقدير ( ٣٩ ) [ الحج ] : بأسباب يمكنكم منها، أو بغير أسباب فتأتيهم قوة خفية لا يرونها، وقد رأوا نماذج من ذلك فعلا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي