أما الرزق الحسن الذي أعده الله للذين هاجروا في سبيله، فيوضحه سبحانه في قوله :
ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ( ٥٩ ) :
لأن الرزق قد يكون حسنا لكنه لا يرضي صاحبه، أما رزق الله لهؤلاء فقد بلغ رضاهم، والرضا : هو اقتناع النفس بشيء تجد فيه متعة، بحيث لا تستشرف إلى أعلى منه، ولا تبغي أكثر من ذلك.
لذلك بعد أن ينعم أهل الجنة بنعيمها، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بعدها يتجلى الحق- سبحانه عليهم فيقول لعباده المؤمنين : يا عبادي أرضيتم ؟ فيقولون : وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين ؟ قال : ألا أعطيكم أفضل من هذا ؟ قالوا : وهل شيء أفضل مما نحن فيه ؟ قال : نعم، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا١.
ومن ذلك قوله تعالى لنبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : ولسوف يعطيك ربك فترضى ( ٥ ) [ الضحى ].
وقوله تعالى : يا أيتها النفس المطمئنة ( ٢٧ ) ارجعي إلى ربك راضية مرضية ( ٢٨ ) [ الفجر ].
يبالغ في الرضا، بحيث يتعداك الرضا إلى أن تكون عيشتك نفسها راضية، وكأنها تعشقك هي، وترضى بك.
ثم يقول سبحانه : وإن الله لعليم حليم ( ٥٩ ) [ الحج ].
عليم : بما يستحقه كل إنسان عند الحساب من النعيم، ثم يزيد من يشاء من فضله، فليس حساب ربك في الآخرة كحسابكم في الدنيا، إنما حسابه تعالى بالفضل لا بالعدل.
وحليم : يحلم على العبد إن أساء، ويتجاوز للصالحين عن الهفوات، فإن خالط عملك الصالح سوء، وإن خالفت منهج الله في غفلة أو هفوة، فلا تجعل هذا يعكر صفو علاقتك بربك أو ينغص عليك طمأنينة حياتك، لأن ربك حليم سيتجاوز عن مثل هذا على حد قولهم ( حبيبك يبلع لك الزلط ).
لذلك لما وشى أحد المؤمنين٢ للكفار في فتح مكة، وهم عمر أن يقتله فنهاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : " لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ٣
ويكفي أنهم خرجوا بأنفسهم واقتحموا معركة غير متكافئة في العدد والعدة، ألا نذكر لهم هذا الموقف ؟ ألم يقل الحق سبحانه : إن الحسنات يذهبن السيئات.. ( ١١٤ ) [ هود ] : ومن ابتلي بشيء يضعف أمامه، فليكن قويا فيما يقدر عليه، وإن غلبك الشيطان في باب من أبواب الشر فشمر له أنت في أبواب الخير، فإن هذا يعوض ذاك.
٢ - هو حاطب بن أبي بلتعة، وقصته أنه كاتب أهل مكة بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لفتح مكة، فقال عمر: دعني أضرب عنقه فقال إنه شهد بدرا واعتذر حاطب بأنه لم يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله فقبل عذره. قال المرزباني في "معجم الشعراء": كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها. قال المدايني: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان وله ٦٥ سنة. [الإصابة لابن حجر ١/٣١٤]..
٣ - حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨٩٠)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي