ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

٥٩ - قوله تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ قال ابن عباس: يريد الجنة.
وقرىء: مُدْخَلًا بضم الميم وفتحها (١)، فالضمّ (٢) يجوز أن يراد به الإدخال، ويكون المعنى أنهم إذا أدخلوا أكرموا، فلم يكونوا كمن ذكر في قوله الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤]. ويجوز أن يعني به الموضع، ويرضونه لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فهو خلاف المدخل الذي قيل فيه إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [غافر: ٧١] الآية. والفتح يجوز أن يكون الدخول (٣)، ويجوز أن يكون موضعه كالمدخل. ودل لَيُدْخِلَنَّهُمْ على الدخول؛ لأنَّهم إذا أدخلوا دخلوا، فكأنه قال: ليُدْخلنهم فيَدخلون مَدْخلًا (٤).
وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ قال ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم (٥).
٦٠ - قوله تعالى: ذَلِكَ قال أبو إسحاق: "ذلك" في موضع رفع،

(١) قرأ نافع "مدخلا" بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها. "السبعة" ص ٤٣٩، "التبصرة" ص ١٨٢، "التيسير" ص ٩٥، "الاقناع" ٢/ ٦٢٩.
(٢) في "الحجة": المدخل يجوز أن يراد به الإدخال.
(٣) في "الحجة": وحجة من قال مدخلا أن المدخل يجوز أن يكون الدخول.
(٤) "الحجة" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥ مع تقديم وتأخير.
وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه ٢/ ٨٣، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٤٨١ - ٤٨٢.
(٥) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٨٩. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٤٦ والبغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة.

صفحة رقم 480

المعنى: الأمر ذلك، أي (١): الأمر ما قصصنا عليكم (٢).
ثم قال: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ أي: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]، فالأول سيئة والمجازاة عليها سميت سيئة بأنها وقعت إساءة بالمفعول به، لأنه فعل [به] (٣) ما يسوؤه (٤). وذكرنا هذا في قوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥].
قال الحسن: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ يعني: قاتل المشركين كما قاتلوه (٥).
ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أي: ظلم بإخراجه من منزله.
قيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين قاتلوا قومًا من المشركين غير مبتدئين بالقتال بل دفعًا لهم عن أنفسهم، ثم أخرجوا من ديارهم (٦).
قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ: يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حين أحوجوا (٧) إلى مفارقة أوطانهم (٨).

(١) (أي): ساقطة من (أ).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٣٥.
وعلى هذا "ذلك" خبر مبتدأ مُضمر، وانظر "الإملاء" للعكبري ٢/ ١٤٦، "الدر المصون" ٨/ ٢٩٦.
(٣) زيادة من معاني الزجاج يستقيم بها المعنى.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣٠/ ٤٣٥ مع اختلاف يسير.
(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٩٧.
(٦) انظر: "التهذيب في التفسير" للجشمي ٦/ ١٨٦ ب.
(٧) في (أ): (حين أخرجوا)، وفي (ظ): (حتى أخرجوا).
(٨) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة لأحد.

صفحة رقم 481

قوله: لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ يعني: هذا المظلوم الذي بغي عليه وعده الله النَّصر.
قال ابن جريج: يعني نصرته محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه (١).
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ قال ابن عباس: يريد عفى عن المؤمنين مساوءهم، وغفر لهم ذنوبهم (٢).
وذكر مقاتل بن سليمان السَّبب في نزول هذه الآية وتفسيرها فقال: إنَّ مشركي مكة لقوا المسلمين في ليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إنَّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فبغوا على المسلمين، فقاتلوهم وحملوا عليهم، وثبت المسلمون فنصر الله المسلمين عليهم، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فأنزل الله هذه الآية (٣).
فالمعني بـ"من" (٤) في قوله وَمَنْ عَاقَبَ المؤمنون، جازوا الكفار وقاتلوهم كما قاتلوهم، وبغيهم عليهم: أنَّهم لم يرتدعوا ولم يكفوا عن القتال بمناشدتهم إياهم.
٥٩ - وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ قال مقاتل: عنهم غَفُورٌ لقتالهم في الشهر الحرام (٥).

(١) رواه الطبري ١٧/ ١٩٥ بمعناه
(٢) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٧ ب. وهذا القول غير معتمد في سبب نزول هذه الآية لأن مقاتل بن سليمان كذّبوه. انظر: "تقريب التهذيب" ٢/ ٢٧٢.
(٤) في (أ): (مَّمن).
(٥) "تفسيره مقاتل" ٢/ ٢٧ ب.

صفحة رقم 482

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية