قوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين
فيه ثلاث مسائل :
المسألة الحادية والثمانون : في جلد الزاني المحصن.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى جلد كل زان محصنا كان أو غير محصن، ولا يخص من ذلك إلا الإماء والعبيد فقط.
قال ابن حزم : قد جاء القرآن بجلد كل زان، ولم يخص محصنا من غيره، فقال تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ١
ولم يخص تعالى من ذلك إلا الإماء والعبيد فقط.. نقول ونقطع أن الله عز وجل قد أمر بجلد كل زان على كل حال، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم على الزاني المحصن بالجلد مع الرجم، وأنه عليه السلام لم يخالف ربه قط.
ولا شك عندنا في أن ماعزا جلد مع الرجم، وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها٢ ٣. اه
المسألة الثانية والثمانون : في كم الطائفة التي تحضر حد الزاني.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن واحدا من الناس يكفي في ذلك، فإن زاد فجائز.
قال ابن حزم : قال الله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ٤ قال : ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ٥
فصح أن عذاب الزناة الجلد، ومع الجلد الرجم والنفي.
ثم اختلف العلماء في مقدرا الطائفة التي افترض الله تعالى أن تشهد العذاب المذكور.
ثم اختلف العلماء في مقدار الطائفة التي افترض الله تعالى أن تشهد العذاب المذكور.
فلما اختلفوا وجب أن ننظر في ذلك، فوجدنا جميع الأقوال لا يحتج بها إلا قول مجاهد، وابن عباس، وهو أن الطائفة : واحد فصاعدا. فوجدناه قولا يوجبه البرهان من القرآن، والإجماع، واللغة.
فأما القرآن فإن الله تعالى يقول : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى الآية ٦
فبين تعالى نصا جليا أنه أراد بالطائفتين هنا الاثنين فصاعدا بقوله في أول الآية : اقتتلوا وبقوله تعالى : فإن بغت إحداهما على الأخرى وبقوله تعالى في آخر الآية : فأصلحوا بين أخويكم ٧ وبرهان آخر، وهو أن الله تعالى قال : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ٨ وبيقين ندري أن الله تعالى لو أراد بذلك عددا من عدد لبينه، ولأوقفنا عليه، ولم يدعنا نخبط فيه عشواء، حتى نتكهن فيه الظنون الكاذبة، حاش لله تعالى من هذا. ٩ اه
المسألة الثالثة والثمانون : في أي الأعضاء يضرب في حد الزنا.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أنه لا يخص في الحد عضو بالضرب دون عضو إلا حد القذف وحده، فإنه يكون في الظهر ؛ لورود النص بذلك. ويتجنت في كل حال ضرب الوجه والمذاكر والمقاتل.
قال ابن حزم : اختلف الناس في هذا، وقال الله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ١٠ الآية.
ففعلنا، فوجدنا الله تعالى قال : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ١١ وقال عليه السلام : " وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " ١٢
ففلم نجد عن الله تعالى، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم أمرا بأن يخص عضوا بالضرب دون عضو إلا حد القذف وحده، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه : " البينة وإلا حد ظهرك " ١٣
فوجب أن لا يخص بضرب الزنى، والخمر عضو من عضو ؛ إذ لو أراد الله تعالى ذلك لبينه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يجب اجتناب الوجه ولا بد، والمذاكر، والمقاتل.
أما الوجه فلما روينا من طريق مسلم، نا عمرو الناقد وزهير بن حرب، قالا جميعا : نا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه " ١٤
وأما المقاتل فضربها غرر كالقلب، والأنثيين، ونحو ذلك، ولا يحل قتله، ولا التعريض به لما نخاف منه، وبالله تعالى التوفيق١٥. اه
٢ أخرجه البخاري في: الحدود، باب: رجم المحصن (٦٨١٢) لكن دون ذكر الرجم. وأخرجه أحمد ١/٩٣ (٧١٦)، والبيهقي في: الحدود ٨/٢٢٠، وعبد الرزاق في المصنف، في الطلاق (١٣٣٥٠) (١٣٣٣٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف، في الحدود (٨٨٦٠)، والحاكم ٤/٣٦٥، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي..
٣ انظر: الإحكام في أصول الأحكام (المجلد ١/١٩٧-١٩٩)..
٤ النور (٢)..
٥ النور (٨)..
٦ الحجرات (٩)..
٧ الحجرات (١٠)..
٨ النور (٢)..
٩ المحلى (١٣/١١٨-١١٩)..
١٠ النساء (٥٩)..
١١ النور (٢)..
١٢ سبق تخريجه..
١٣ أخرجه البخاري في: الشهادات، باب: إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة (٢٦٧١)، وفي التفسير، باب: ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع بالله إنه لمن الكاذبين(٤٧٤٧)..
١٤ رجال الإسناد:
مسلم سبقت ترجمته ص (٧١).
عمرو بن محمد بن بكير الناقد، أبو عثمان البغدادي، نزل الرقة، ثقة حافظ، وهم في حديث، من العاشرة، مات سنة (٢٣٢ هـ/خ م د س) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٥١٤١).
زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة، النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، من العاشرة، مات سنة (٢٣٤ هـ/ خ م د س ق) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٢٠٥٣).
سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بآخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات سنة (١٩٨ هـ/ع ) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٢٤٦٤).
عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، المعروف بأي الزناد، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة (١٣٠ هـ وقيل بعدها / ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٣٣٢٢).
عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، من الثالثة، مات سنة (١١٧ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٤٠٦٠).
أبو هريرة سبقت ترجمته ص (٧٣).
يروي ابن حزم هنا صحيح مسلم في: البر، بابا النهي عن ضرب الوجه (٦٥٩٤) – (٦٥٩٩).
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم كما سبق..
١٥ المحلى (١٣/٤٢-٤٣)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري