ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

سورة النور
مدنية، وهي اثنتان وستون آية. وقيل: أربع وستون [نزلت بعد الحشر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة النور (٢٤) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)
سُورَةٌ خبر مبتدإ محذوف. وأَنْزَلْناها صفة. أو هي مبتدأ موصوف والخبر محذوف، أى: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. وقرئ بالنصب على: زيدا ضربته، ولا محل لأنزلناها، لأنها مفسرة للمضمر فكانت في حكمه. أو على: دونك سورة أو اتل سورة. وأنزلناها:
صفة. ومعنى فَرَضْناها فرضنا أحكامها التي فيها. وأصل الفرض: القطع، أى: جعلناها واجبة مقطوعا بها، والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده. أو لأنّ فيها فرائض شتى، وأنك تقول: فرضت الفريضة، وفرّضت الفرائض. أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم تَذَكَّرُونَ بتشديد الذال وتخفيفها، رفعهما على الابتداء، والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه، على معنى: فيما فرض عليكم.
[سورة النور (٢٤) : آية ٢]
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي أى جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر: فَاجْلِدُوا، وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط «١»، تقديره: التي زنت، والذي زنى
(١). قال محمود: «في الرفع وجهين، أحدهما: الابتداء والخبر محذوف، وهو إعراب الخليل وسيبويه.
والتقدير: وفيما فرض عليكم الزانية والزاني، أى: جلدهما. الثاني: أن يكون الخبر فاجلدوا، ودخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وقد ضمن معنى الشرط»
قال أحمد: وإنما عدل سيبويه إلى هذا الذي نقله عنه لوجهين:
لفظي ومعنوي. أما اللفظي فلأن الكلام أمر وهو يخيل اختيار النصب، ومع ذلك قراءة العامة، فلو جعل فعل الأمر خبرا وبنى المبتدأ عليه لكان خلاف المختار عند الفصحاء، فالتجأ إلى تقدير الخبر حتى لا يكون المبتدأ مبنيا على الأمر، فخلص من مخالفة الاختيار، وقد مثلهما سيبويه في كتابه بقوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ... الآية ووجه التمثيل أنه صدر الكلام بقوله مَثَلُ الْجَنَّةِ ولا يستقيم جزما أن يكون قوله فِيها أَنْهارٌ خبره، فتعين تقدير خبره محذوفا. وأصله: فيما نقص عليكم مثل الجنة، ثم لما كان هذا إجمالا لذكر المثل فصل بقوله فِيها أَنْهارٌ إلى آخرها، فكذلك هاهنا، كأنه قال: وفيما فرض عليكم شأن الزانية والزاني، ثم فصل هذا المجمل بما ذكر من أحكام الجلد، ويناسب هذا ترجمة الفقهاء في كتبهم حيث يقولون مثلا: الصلاة، الزكاة، السرقة.
ثم يذكرون في كل باب أحكامه، يريدون مما يصنف فيه ويبوب عليه: الصلاة، وكذلك غيرها، فهذا بيان المقتضى عند سيبويه، لاختيار حذف الخبر من حيث الصناعة اللفظية. وأما من حيث المعنى فهو أن المعنى أتم وأكمل على حذف الخبر، لأن يكون قد ذكر حكم الزانية والزاني مجملا حيث قال: الزانية والزاني وأراد: وفيما فرض عليكم حكم الزانية والزاني، فلما تشوف السامع إلى تفصيل هذا المجمل ذكر حكمهما مفصلا، فهو أوقع في النفس من ذكره أول وهلة، والله أعلم.

صفحة رقم 208

فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه، وكقوله وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وهو أحسن من سورة أنزلناها لأجل الأمر. وقرئ: والزان، بلا ياء. والجلد: ضرب الجلد، يقال: جلده، كقولك: ظهره وبطنه ورأسه. فإن قلت: أهذا حكم جميع الزناة والزواني، أم حكم بعضهم؟
قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإنّ المحصن حكمه الرجم. وشرائط الإحصان عند أبى حنيفة ست: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزوج بنكاح صحيح، والدخول.
إذا فقدت واحدة منها فلا إحصان. وعند الشافعي: الإسلام ليس بشرط، لما روى أنّ النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا «١». وحجة أبى حنيفة قوله ﷺ «من أشرك بالله فليس بمحصن «٢» » فإن قلت: اللفظ يقتضى تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني، لأن قوله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي عام في الجميع، يتناول المحصن وغير المحصن. قلت: الزانية والزاني يدلان على الجنسين المنافيين لجنسى العفيف والعفيفة دلالة مطلقة والجنسية قائمة في الكل والبعض جميعا، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك. وقرئ: ولا يأخذكم، بالياء. ورأفة، بفتح الهمزة. ورآفة على فعالة. والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجدّ والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده. وكفى برسول الله ﷺ أسوة في ذلك حيث قال «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها «٣» » وقوله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه وقيل لا تترحموا عليهما حتى لا تعطلوا الحدود أو حتى لا توجعوهما ضربا. وفي الحديث «يؤتى بوال

(١). متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما
(٢). أخرجه إسحاق والدارقطني تفرد برفعه إسحاق. قلت: قال إسحاق في مسنده أن شيخه حدثه به مرة أخرى موقوفا.
(٣). متفق عليه من حديث عائشة رضى الله عنها.

صفحة رقم 209

نقص من الحدّ سوطا، فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أأنت أرحم بهم منى، فيؤمر به إلى النار. ويؤتى بمن زاد سوطا فيقول لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار «١» » وعن أبى هريرة: إقامة حدّ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة «٢». وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلا عالما بصيرا يعقل كيف يضرب. والرجل يجلد قائما على مجرّده «٣» ليس عليه إلا إزاره، ضربا وسطا لا مبرحا ولا هينا، مفرّقا على الأعضاء كلها لا يستثنى منها إلا ثلاثة: الوجه، والرأس، والفرج. وفي لفظ الجلد: إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم. والمرأة تجلد قاعدة، ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة على أن الجلد حدّ غير المحصن بلا تغريب. وما احتج به الشافعي على وجوب التغريب من قوله ﷺ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام «٤» » وما يروى عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفوا «٥» :
منسوخ عنده وعند أصحابه بالآية. أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب. وقول الشافعي في تغريب الحرّ واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل: يغرب سنة كالحرّ، ويغرب نصف سنة كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب كما قال أبو حنيفة. وبهذه الآية نسخ الحبس الأذى في قوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، وقوله تعالى فَآذُوهُما. قيل: تسميته عذابا دليل على أنه عقوبة. ويجوز أن يسمى عذابا، لأنه يمنع من المعاودة كما سمى نكالا.
الطائفة: الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثة أو أربعة، وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة: ثلاثة فصاعدا. وعن عكرمة: رجلان فصاعدا. وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وفضل قول ابن عباس، لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحد والصحيح أن هذه الكبيرة من أمّهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله

(١). لم أجده بهذا اللفظ وعند أبى يعلى من رواية عمرو بن ضرار عن حذيفة مرفوعا «يؤتى بالذي ضرب فوق الحد فيقول له الله تعالى: عبدى، لم ضربته فوق الحد؟ فيقول غضبا لك. فيقول: أكان غضبك أشد من غضبي. ويؤتى بالذي قصر فيقول عبدى لم قصرت؟ فيقول: رحمته. فيقول أكانت رحمتك أشد من رحمتي. ثم يؤمر بهما جميعا إلى النار»
(٢). أخرجه النسائي من طريق أبى زرعة عنه موقوفا وأخرجه النسائي أيضا وابن حبان وأحمد وابن ماجة والطبرانى من هذا الوجه مرفوعا. وقال «أربعين صباحا» ولأحمد «ثلاثين أو أربعين صباحا» وفي الباب عن ابن عمر، أخرجه ابن ماجة بلفظ «إقامة حد من حدود الله تعالى خير من مطر أربعين ليلة»
(٣). قوله «على مجرده» في الصحاح: فلان حسن المجرد، أى: المعرى اه، أى: المكشوف عن الثياب. (ع)
(٤). أخرجه مسلم وأصحاب السنن من حديث عبادة بن الصامت في أثناء حديث
(٥). أخرجه الترمذي والحاكم من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب.

صفحة رقم 210

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية