ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

( الزانية والزاني( مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه تقديره سنذكر حكمهما لقوله ( فاجلدوا( بيان لحكمه الموعود تقديره إذا ثبت زناهما فاجلدوا وقال المبرد : خبره جملة فاجلدوا أورد الفاء في الخبر تتضمن المبتدأ معنى الشرط، فإن اللام بمعنى الذي تقديره الذي زنى والتي زنت فيقال في شأنهما اجلدوا ( كل واحد منهما( منصوب على المفعولية يقال جلده إذا ضرب جلده كما يقال رأسه وبطنه إذ ضرب رأسه وبطنه ذكر بلفظ الجلد كيلا يبرح ويضرب بحيث يبلغ اللحم ومن ها هنا قال الفقهاء.
مسالة : يضربه بسوط لا ثمرة له ضربا متوسطا، روى ابن أبي شيبة ثنا عيسى بن يونس عن حنظلة السدوسي عن أنس بن مالك قال كان يؤمر بالسوط فيقطع ثمرته ثم يدق بين حجرين ثم يضرب به فقلنا : له في زمن من كان هذا قال في زمن عمر بن الخطاب وروى عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فدعا عليه السلام بسوط فأتي بسوط شديد لع ثمرة فقال : سوط دون هذا فأتي سوط مكسور لين فقال : سوط فوق هذا، فأتي بسوط بين سوطين فقال : هذا فأمر به فجلد " وروى ابن ألي شيبة عن زيد بن أسلم نحوه وذكره مالك في الموطأ ( مائة جلدة( منصوب على المصدرية قدم الزانية في الآية على الزاني لأن الزنى في الأغلب يكون بتعريضها للرجل وعرض نفسها عليه بخلاف السرقة فإنها غالبا منن الرجال ولذلك قدم السارق على السارقة في قوله تعالى :( والسارق والسرقة فاقطعوا أيديهما(. ١
مسألة : أجمع علماء الأمة على أن الزانية والزاني إذا كانا حرين عاقلين بالغين غير محصنين فحدهما أن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة بحكم هذه الآية ولا يزاد على ذلك عند أبي حنيفة ح، وقال الشافعي وأحمد يجب عليهما أيضا تغريب عام إلى مسافة قصر فما فوقها ولو كان الطريق آمنا ففي تغريب المرأة قولان وفي المنهاج انه لا تغرب المرأة وحدها في الأصح بل مع زوج ولو بأجر وأجرته عليها في قول وفي بيت المال في قول فإن امتنع بأجرة ففي قول يجبره الإمام وفي المنهاج أنه لا يجبر في الأصح وقال مالك : يجب تغريب الزاني دون الزانية، احتج الشافعي بحديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " ٢وقد مر الحديث في سورة النساء في تفسير قوله تعالى :( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا( ٣ وحديث زيد بن خالد قال :" سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام " ٤ رواه البخاري وفي الصحيحين حديث زيد بن خالد وأبي هريرة أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحدهما اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم قال : تكلم، قال : إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت بمائة شاة وبجارية لي ثم إني سالت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة ووتغريب عام وإنما الرجم على امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك وأما ابنك فعليه جلد مائة وتغريب عام وأما أنت يا أنس فأغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها " ٥ قال مالك البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام غير شامل للنساء فلا يثبت التغريب في النساء وهذا لسي بشيء فإن سياق الحديث في النساء حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " الحديث، وعدم شمول البكر المرأة ممنوع كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البكر تستأذن " ٦ وكلمة من زنى في حديث زيد عام في الذكر والأنثى لكن الوجه الصحيح لقول مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " ٧ رواه الشيخان في الصحيحين وأحمد وأبو داود عن ابن عمر وفي الصحيحين وعند أحمد عن ابن عباس نحوه وروى أبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة نحوه ولأجل ذلك خص مالك حكم التعريب بالرجال دون النساء وجعل الشافعي المحرم شرطا للتغريب.
وقال الطحاوي إن تغريب النساء لما بطل لأجل نهيهن عن المسافرة بغير محرم انتفى ذلك عن الرجال أيضا، واستدل الطحاوي على عدم التغريب في الحد بحديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إذا زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إذا زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر " ٨ متفق عليه، قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببيع الأمة إذا زنت ومحال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه فثبت بطلان تغريب الأمة إذا زنت وإذا بطل تغريب الإماء بطل تغريب الجوائز لقوله تعالى :( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب( ٩ وإذا بطل تغريب الحرائر بطل تغريب الأحرار وهذا لقول غير سديد لأن نفي التغريب في النساء مطلقا أو في الإماء لأجل التعارض في النصوص لا يقتضي السقوط في حق الرجال مع عدم التعارض هناك، وقال بعض الحنفية لا يجوز العمل بحديث التغريب لأنه زيادة على الكتاب وهي في حكم النسخ فلا يجوز بخبر الآحاد وهذا القول مردود لأن الزيادة التي هي في حكم النسخ زيادة ركن أو شرط أو وصف في المأمور به حتى يجعل المجزىء غير مجز كزيادة تعين الفاتحة في أركان الصلاة، وصفة الإيمان في رقبة الكفارة والتتابع في الصيام والطهارة في الطواف وهي ممنوعة، وأما مطلق الزيادة فغير ممنوعة وإلا لبطلت أكثر السنن ألا ترى أن عدة الوفاة ثبتت بنص القرآن والإحداد فيها ثبت بالسنة وليس الإحداد شرطا في العدة حتى لو تربصت أربعة أشهر وعشرا ولم تجد عصت بترك الواجب وانقضت عدتها وجاز لها التزوج ومن هذا القبيل القول بأن تعين الفاتحة وضم السورة وغيرهما من واجبات الصلاة على رأي أبي حنيفة حيث قال بوجوبها ولم يقل بركنيتها وزيادة التغريب في الحد لا تجعل جلد مائة غير مجز فلا محذور فيه فقال أصحاب الشافعي إن الآية ساكتة عن التغريب وليس في الآية ما يدفعه لينسخ أحدهما الآخر نسخا مقبولا أو مردودا.
فقال المحققون من الحنفية إن قوله تعالى :( فاجلدوا( بيان للحكم الموعود في قوله ( الزانية والزاني( على قول سيبويه فكان المذكور تمام حكمه وإلا كان تجهيلا إذ يفهم منه أنه تمام الحكم وليس تمامه في الواقع فكان مع الشروع في البيان أبعد من ترك البيان لأنه يوقع في الجهل المركب وذاك في البسيطن وجزاء للشرط على قول المبرد فيقيد أن الواقع هذا فقط فلو ثبت معه شيء آخر كان مثبته معارضا لا مثبتا لما سكت عنه وهو الزيادة الممنوعة، وأورد عليه بأن الحديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فيجوز به نسخ الكتاب وأجيب بانه إن كان المراد بالتلقي بالقبول إجماعهم على العمل بع فممنوع لظهور الخلافن وإن كان المراد إجماعهم على صحته بمعنى صحة سنده فكثير من أخبار الآحاد كذلك، ولا تخرج بذلك عن كونها آحادا فإن قيل : الآية قطعي السند لكنه ظني الدلالة لكونه عاما، خص منه البعث إجماعا فإن الحكم بالجلد مائة مختص بالأحرار والحرائر دون العبيد والإماء وبغير المحصن عند أكثر الأمة، وأيضا دلالتها على كون الحكم الجلد فقط لا غير ظنية مستنبطة بالراي حتى لم يدرك كثير من الفقهاء وأهل العربية والحديث ظني السند قطعي الدلالة فتساويا فجاز أن يكون حديث الآحاد ناسخا لحكم الكتاب فلأن يجوز به الزيادة على الكتاب أولى ؟ قلنا : على تقدير تسليم المساواة سباق حديث عبادة يدل انه أول حكم ورد في الزانيات والزواني حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " فالاية عند التعارض ناسخ ليس بمنسوخ وقد قال الشافعي الجلد المذكور في الحديث في حق الثيب منسوخ فلا مانع من كون التغريب في حق البكر منسوخا بهذه الآية، قال ابن همام ليس في الباب من الأحاديث ما يدل على أن الواجب من التغريب واجب بطريق الحد، فإن أقصى ما فيه دلالة قوله :" البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " وهو عطف واجب على واجب وهو لا يقتضي ذلك بل ما في البخاري من قول أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي وإقامة الحد " ١٠ ظاهر في أن النفي ليس من الحد لعطفه عليه وكونه مستعملا في جزء مسماه وعطفه على جزء آخر بعيد لا يوجه دليل وما ذكر من الألفاظ لا تفيد فجاز كون التغريب لمصلحته.
فائدة : وقد يرجح أصحاب الشافعي حديث التغريب بالمعقول حيث قالوا إن في التغريب حسم باب الزنى لقلة المعارف، وعارضه الحنفية بأن فيه فتح باب الفتنة لانفرادها عن العشيرة وعمن تستحيي منهم إن كان بها شهوة قوية وقد تفعله لحامل آخر وهو حاجتها إلى معيشتها ويؤيده ما روى عليه الرزاق ومحمد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي قال قال عبد الله بن مسعود في البكر يزين بالبكر يجلدان مائة وينفيان سنة قال وقال علي بن أبي طالب حسبهما من الفتنة أن ينفيا وروى محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال كفى بالنفي فتنة، وروى عبد الرزاق عن الزهري عن ابن المسيب قال : غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب بعده مسلما.
مسألة : وإذا رأى الإمام مصلحة في التغريب مع الجلد جاز له النفي عند أبي حنيفة ح أيضا وهو محل التغريب المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ورى النسائي والترمذي والحاكم وصححه على شرط الشيخين والدراقطني من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب، ١١ وصححه ابن القطان ورجح الدارقطني وقفه وروى ابن أبي شيبة بإسناده فيه مجهول أن عثمان جلد امراة في زنى ثم أرسل بها إلى خيبر فنفاها وليس التغريب مقتصرا على الزنى بل يجوز للإمام تغريب كل واع إذا رأى مصلحة، روى الطحاوي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده عمد فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة وتفاه سنة ومحا أراه سهمه من المسلمي وامره أن يعتق رقبة، وروى سعيد بن منصور أن عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في رمضان فضرب مائتي سوط ثم سيره إلى الشم وعلق البخاري طرفا عنه ورواه البغوي في الجعديات وزاد وكان إذا غضب على رجل يسيره إلى الشام وروى البيهقي عن عمر أنه كان ينفي إلى البصرة، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع ان عمر نفي إلى فدك، ومن ها هنا أخذ مشايخ السلوك رضي الله عنه وعنا أنهم يغربون المريد إذا بدا عنه قوة نفس ولجاج لتتكسر نفسه وتلين.
قلت : إذا رأى القاضي مسلما يقع في المعاصي لغلبة الشهوة مع الندم والاستحياء يأمره بالغربة والسفر واما من لا يستحيي ولا يندم فنفيه عن الأرض حبسه حتى يتوب والله أعلم.
مسألة : وإذا كان الزاني والزانية محصنين يرجمان بإجماع الصحابة ومن بعدهم من علماء النصيحة، وأنكره الخوارج لإنكارهم إجماع الصحابة وحجة خبر الآحاد وادعائهم أن الرجم لم يثبت من القرآن ولا من النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار متوا

١ سورة المائدة الآية: ٣٨..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: حد الزنى (١٦٩٠)..
٣ سورة النساء الآية: ١٥..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: شهادة القاذف والسارق والزاني (٢٦٤٩)..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢٦٩٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى (١٦٩٧)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها (٦٥٧٠)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: حج النساء (١٧٦٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (١٣٤١)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: بيع العبد الزاني (٢٠٤٥) واخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا (١٧٠٣)..
٩ سورة النساء الآية: ٢٥..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: المحاربين من أهل الردة والكفر، باب: البكران يجلدان وينفيان (٦٨٣٣)..
١١ أخرجه الترمذي في كتاب: الحدود، باب: ما جاء في النفي (١٤٣٩)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير