الزانية والزاني فاجلودوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [ النور : ٢ ].
عقوبة الزنى الدنيوية :
الزاني والزانية : إما أن يكونا محصنين، أي متزوجين، أو غبر محصنين : أي غير متزوجين.
عقوبة المحصنين :
إن كان الزانيان محصنين واستوفيا الشروط الآتية : وهي أن يكونا بالغين عاقلين حرين مسلمين متزوجين بعقد نكاح صحيح وجب رجمهما، أي رميهما بالحجارة حتى يموتا، ويكون ذلك في حفل عام للمسلمين ليعتبر بهما غيرهما.
وقد ثبت هذا بالنسبة المتواترة، ورواه الثقاب عن النبي ( ص )، فقد رواه أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وزيد بن خالد و بريدة الأسلمي في آخرين من الصحابة، وجاء في روايتهم أن رجلا من الصحابة يسمى ماعزا أقر بالزنى فرجم، وأن امرأتين من بني لخم وبني غامد أقرتا بالزنى فرجمتا على مشهد من الناس ومرأى منهم.
عقوبة غير المحصنين :
إن كان الزانيان غير محصنين فالعقوبة مائة جلدة بمحضر جمع من المسلمين كما بينته الآية ليفتضح أمرهما كما تقدم ذلك.
طريق إثبات الزنى :
يثبت الزنى بأحد أمور ثلاثة :
الإقرار به وهذا هو الطريق الذي ثبت به الزنى في الإسلام، وبه أوقع النبي ( ص ) وصحابته العقوبة على من زنى
الحبل للمرأة بلا زواج معروف لها.
شهادة أربعة من الشهود يرونهما وهما ملتبسان بالجريمة.
عقوبة الزنى الأخروية :
تقدم أن بينا المساويء والأضرار التي تنشأ من الزنى للأفراد والجماعات في الدنيا، وهنا نذكر حكمه الأخوي فنقول : اتفقت الأمة على أن الزنى من أكبر الآثام، وأنه من الذنوب التي شدد الدين في تركها، وأغلظ في العقوبة على فعلها، وجاء فيه من النصوص ما لم يأت في غيره مما حرم الله، فقد قرن بالشرك في قوله : والذين لا يدعون مع لله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما [ الفرقان : ٦٨ ].
وروي عن حذيفة أن النبي ( ص ) قال :" يا معشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فسخط الله سبحانه وتعالى، وسوء الحساب، وعذاب النار ".
وعن عبد الله بن مسعود قال : قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال :" أن تجعل لله ندا وهو خلقك ". قلت : ثم أي ؟ قال :" وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ". قلت : ثم أي ؟ قال :" وأن تزني بحليلة جارك ". فأنزل الله تصديقها : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون .
الإيضاح :
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة أي من زنى من الرجال أو زنت من النساء وهما حران بالغان عاقلان غير محصنين بزوجين فاجلدوا كلا منهما مائة جلدة عقوبة له على ما أتى من معصية الله.
ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أي ولا تأخذكم بهما رحمة ورقة في حكم الله، فتعطلوا الحدود أو تخففوا الضرب، بل الواجب عليكم أن تتصلبوا في دين الله ولا يأخذكم اللين والهوادة في استيفاء الحدود، وكفى برسول الله أسوة في ذلك، إذ يقول :" لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ".
إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر أي إن كنتم تصدقون بالله ربكم، وأنكم مبعوثون للحشر ومجازون بالثواب والعقاب. فإن من كان مصدقا بذلك لا يخالف أمر الله ونهيه خوف عقابه على معاصيه. وفي هذا تهييج وإغضاب لتنفيذ حدود الله وإقامة شريعته.
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين فإنهما إذا جلدا بمحضر من الناس كان ذلك أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، والزيادة في تأنيبهما على ما فعلا.
والطائفة : الأربعة فصاعدا كما روي عن ابن عباس، وعن الحسن : عشرة فصاعدا.
تفسير المراغي
المراغي