٢ - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.
١. في هذه الآية بيان لحد الزاني البكر، وفي السنة الصحيحة بيان لحد الزاني المتزوج وهو الرجم، وقد بينت الآية وجوب الصرامة في إقامة الحد، وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما، وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته، تراخيا في دين الله وحقه، وإقامته في مشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين.
٢. في بيان حكم السرقة بدأ الله تعالى بالرجل فقال سبحانه : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ( المائدة : ٣٨ ).
وفي بيان حكم الزنا بدأ الله تعالى بالمرأة ؛ لأن السرقة يغلب وقوعها من الرجال وهم عليها أجرا من النساء وأجلد وأخطر فقدموا عليهن لذلك. أما الزنا من المرأة فهو أشد خطرا لما يترتب عليه من فساد الأنساب وتلطيخ فراش الرجل، وهو عار على عشيرة المرأة وأشد وألزم، والفضيحة بالحمل منه أظهر وأدوم ؛ فلهذا كان تقديمها على الرجل أهم.
قال القرطبي : قدمت الزانية في هذه الآية حيث كان زنا النساء فاشيا في ذلك الزمان، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات، كن مجاهرات بذلك، وقيل : لأن الزنا في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر، وقيل : لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب ؛ فصدرها تغليظا لتردع شهوتها، وإن كان قد ركب فيها حياء، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله، وأيضا : فإن العار بالنساء ألحق، إذ موضعهن الحجاب والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما٢.
٣. بدأت دعوة الإسلام ببيان حكم العقيدة والدعوة إلى الإيمان بالله، ولو بدأت بتحريم الزنا لقال الناس : لا نترك الزنا أبدا، ولو بدأت بتحريم الخمر لقال الناس : لا نترك الخمر أبدا كما قالت عائشة – رضي الله عنها - : فلما استقر الإيمان في القلوب ؛ بين الله بالتدريج أحكام الحلال والحرام.
وفي الآية الخامسة عشر من سورة النساء ذكر القرآن أن الزنا جريمة اجتماعية أو عائلية.
ثم بين القرآن في سورة النور، أن الزنا جريمة جنائية، يجلد الزاني مائة جلدة إذا كان بكرا، وهناك مواصفات لطريقة الجلد منها : أن يضرب بسوط لا ثمرة فيه، وأن يكون السوط وسطا، وأن يوزع الجلد على جسمه لينال الألم كل عضو تمتع باللذة الحرام، ولا يضرب على وجهه لأنه مجمع المحاسن، ولا يضرب في فرجه لأنه مقتل.
٤. لقد حرم الزنا في جميع الشرائع، وبذلت المجتمعات الإنسانية سعيها لسد باب الزنا، فهو رذيلة من ناحية الأخلاق، وإثم من ناحية الدين، وعيب وعار من ناحية الاجتماع، وهذا أمر مازالت المجتمعات البشرية مجمعة عليه منذ أقدم عصور التاريخ إلى يومنا الحاضر، ولم يخالفها فيه حتى اليوم إلا شرذمة قليلة من الذين جعلوا عقولهم تابعة لأهوائهم وشهواتهم البهيمية، ويظنون كل مخالفة للنظام والعرف الجاري اختراعا لفلسفة جديدة.
والعلة في هذا الإجماع العالمي، أن الفطرة الإنسانية بنفسها تقتضي حرمة الزنا، لأن التمدن الإنساني لم يتكون إلا بمعاشرة الرجل والمرأة معا، وإنشائهما أسرة ثم امتداد وشائج النسب والطهر بين تلك الأسرة، ( فالأسرة هي المحضن الصالح للتربية، وهي الجو الملائم لتربية الأطفال، ورعايتهم وتهذيب غرائزهم، ورعاية نموهم النفسي والبدني والاجتماعي )٣.
وإذا رجعنا إلى تاريخ البشرية الطويل، رأينا أنه ما من أمة من الأمم فشت فيها الفاحشة ؛ إلا صارت إلى انحلال وهزيمة.
٥. الزنا المحض :
رغم اتفاق الشرائع على أن الزنا رذيلة، إلا أن بعضها فرق بين الزنا المحض والزنا بزوجة الغير، فاعتبر الأول خطيئة أو زلة يسيرة، واعتبر الثاني جريمة مستلزمة للعقوبة.
والزنا المحض عندهم أن يجامع رجل – بكرا كان أو متزوجا – امرأة ليست بزوجة أحد. فالعبرة هنا بحال المرأة، فإذا كانت غير متزوجة فعقوبة هذه الخطيئة هين جدا في قوانين مصر القديمة وبابل وآشور والهند، وهذه القاعدة هي التي أخذت بها اليونان والرم، وبها تأثر اليهود أخيرا، فهي لم تذكر في الكتاب المقدس لليهود، إلا كخطيئة يلزم الرجل عليها غرامة مالية لا غير.
فقد جاء في كتاب الخروج :( وإذا راود رجل عذراء لم تخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة، إن أبى أبوها أن يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى )٤.
وجاء هذا الحكم بعينه في كتاب الاستثناء بشيء من الاختلاف في ألفاظه، وبعده التصريح بأنه :( إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة، فأمسكها واضطجع معها فوجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين مثقالا من الفضة، وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها )٥. غير أنه إذا زنى أحد ببنت القسيس عوقب بالشنق بموجب القانون اليهودي، وعوقبت البنت بالإحراق.
٦. إن القوانين الغربية – وهي التي يتبعها معظم بلاد المسلمين في هذا الزمان – إنما تقوم على هذه التصورات المختلفة، فالزنا في نظرها وإن كان عيبا أو رذيلة خلقية أو ذنبا، ولكنه ليس بجريمة على كل حال. وإن الشيء الوحيد الذي يحوله إلى جريمة، هو الجبر والإكراه، أي : أن يجامع الرجل المرأة بدون رضاها، أما الرجل المتزوج فإن كان ارتكابه لفعلة الزنا سببا للنزاع والشكوى، فإنما هو كذلك لزوجته وحدها، فلها – إن شاءت – أن تطلب من المحكمة تخليصها منه. وأما إذا كانت المرتكبة للزنا امرأة متزوجة، فإن لزوجها أن يشكوها إلى المحكمة ويطلقها، بل له أن يشكو إلى المحكمة ذلك الرجل الذي ارتكب الزنا بزوجته وينال منه غرامة مالية.
٧. الزنا في الإسلام :
يقرر الإسلام أن الزنا جريمة مستلزمة للمؤاخذة والعقوبة، وقد عرف الفقهاء الزنا بأنه : وطء الرجل المرأة في القبل حراما، كالميل في المكحلة، أو القلم في الدواة.
وجاء في كتاب الاختيار في الفقه الحنفي ما يأتي : يثبت الزنا بالبينة والإقرار، والبينة أن يشهد أربعة على رجل أو امرأة بالزنا، فإذا شهدوا يسألهم القاضي عن ماهيته، ومكانه وزمانه، والمزنى بها، فإذا بينوا ذلك، وذكروا أنها محرمة عليه من كل وجه، وشهدوا به كالميل في المكحلة، والقلم في الدواة، وعدلوا في السر والعلانية ؛ حكم القاضي عليه بالحد، وحد الزاني إذا كان محصنا٦ الرجم بالحجارة حتى يموت، يخرج إلى أرض فضاء، فإن كان ثبت بالبينة يبتدأ بالشهود ثم الإمام ثم الناس، فإذا امتنع الشهود أو بعضهم لا يرجم، وإذا ثبت بالإقرار ابتدأ الإمام ثم الناس. وإن لم يكن محصنا فحده الجلد مائة جلدة يضرب بسوط لا ثمرة له، ضربا متوسطا٧، يفرقه على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه، ويجرد من ثيابه إلا الإزار، ولا تجرد المرأة عن الفرو والحشو٨.
٨. التدرج في التشريع :
نبه القرآن المكي إلى ضرر الزنا وحذر المؤمنين من آثامه، ومثال ذلك ما نجده في سورة الفرقان : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. ( الفرقان : ٦٨ ).
ومن سورة الإسراء المكية يقول سبحانه : وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً. ( الإسراء : ٣٢ ).
وفي السنة الثالثة بعد الهجرة النبوية، قرر القرآن أن الزنا جريمة مستلزمة للعقوبة، ولكنه ما كان إذ ذاك جريمة قانونية، حيث يكون لشرطة الدولة وحكمتها أن تؤاخذ عليها الناس، وإنما كان بمثابة جريمة اجتماعية أو عائلية لأهل الأسرة أن يعاقبوا من يأتيها منهم بأنفسهم، وهذا الحكم قد جاء في الآيات : ١٥، ١٦، ١٧ من سورة النساء. قال تعالى : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً. ( النساء : ١٥ – ١٧ ).
وفي الآية الأولى إشارة واضحة إلى أن هذا الحكم مؤقت، وسيأتي الحكم النهائي لحد الزنا في المستقبل، وهذا الحكم هو الذي نزل بعد سنتين ونصف في سورة النور، وقد نسخ الحكم السابق، وجعل الزنا جريمة قانونية مستلزمة لمؤاخذة الشرطة والمحكمة٩.
٩. رجم المحصن :
الحد الذي أشارت إليه الآية الثانية في سورة النور، إنما هو حد الزاني البكر الذي لم يتزوج، أما حد الزنا بعد الإحصان والزواج فهو الرجم، وقد ثبت من السنة الصحيحة بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن، ثم أقامه بعده خلفاؤه الراشدون – رضي الله عنهم – في عهودهم، وأجمع على ذك الصحابة والتابعون، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولا، يدل على أنه كان في القرن الأول رجل عنده شك في كون الرجم من الأحكام الشرعية الثابتة، ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر ومصر، على كونه سنة ثابتة، بأدلة متضافرة قوية لا مجال لأحد من أهل العلم أن يشك في صحتها. وقد خالف الجمهور في هذه القضية الخوارج وبعض المعتزلة. فرأوا أن لا عقوبة في الزنا غير مائة جلدة، للمتزوج وغير المتزوج١٠.
١٠. الرجم في التوراة :
ورد في التوراة أن عقوبة الزاني المحصن الرجم، جاء في سفر التثنية :( وإذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل بالمدينة فاضطجع معها فأخرجوهما كليهما من المدينة وارجموهما حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لن تصرخ في المدينة والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فينتزع الشر من المدينة، ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها ؛ يموت الذي اضطجع معها وحده، وأما الفتاة فلا يفعل بها شيء )١١.
١١. وردت أحاديث في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن.
أخرج البخاري، ومسلم : أن أعرابيين أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله، إن ابني كان عسيفا – يعني أجيرا – على هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى : الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، واغد يا أنيس – لرجل من أسلم – إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ف
تفسير القرآن الكريم
شحاته