الزانية والزاني : هذا شروع في تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، والارتفاع على الابتداء، والخبر : فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا ، أو على الخبرية لسورة كما تقدّم، والزنا هو : وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح، ولا شبهة نكاح. وقيل : هو إيلاج فرج في فرج مشتهىً طبعاً محرّم شرعاً، والزانية هي : المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المكرهة، وكذلك الزاني، ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، وأما على مذهب سيبويه فالخبر محذوف، والتقدير : فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله فاجلدوا والجلد الضرب، يقال : جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه، ورأسه إذا ضرب رأسه، وقوله مِاْئَةَ جَلْدَةٍ هو حدّ الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد، وهي : تغريب عام، وأما المملوك والمملوكة، فجلد كلّ واحد منهما خمسون جلدة لقوله سبحانه : فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب [ النساء : ٢٥ ] وهذا نص في الإماء، وألحق بهنّ العبيد لعدم الفارق، وأما من كان محصناً فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة، وبإجماع أهل العلم، بل وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ". وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة، وقد أوضحنا ما هو الحق في ذلك في شرحنا للمنتقى، وقد مضى الكلام في حدّ الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي، ويحيى بن يعمر، وأبو جعفر، وأبو شيبة «الزانية والزاني » بالنصب. وقيل : وهو القياس عند سيبويه ؛ لأنه عنده كقولك : زيداً اضرب. وأما الفرّاء، والمبرّد، والزجاج، فالرفع عندهم أوجه وبه قرأ الجمهور. ووجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهنّ رايات تنصب على أبوابهنّ ليعرفهنّ من أراد الفاحشة منهنّ. وقيل : وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل، وقيل : لأن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب، وقيل : لأن العار فيهنّ أكثر إذ موضوعهنّ الحجبة والصيانة، فقدّم ذكر الزانية تغليظاً، واهتماماً.
والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل للمسلمين أجمعين، لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعاً، والإمام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله يقال : رأف يرأف رأفة على وزن فعلة، ورأفة على وزن فعالة، مثل النشأة، والنشاءة وكلاهما بمعنى : الرقة والرحمة، وقيل : هي أرق الرحمة. وقرأ الجمهور رأفة بسكون الهمزة، وقرأ ابن كثير بفتحها، وقرأ ابن جريج " رآفة " بالمد كفعالة، ومعنى : في دين الله : في طاعته وحكمه، كما في قوله : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك [ يوسف : ٧٦ ]، ثم قال : مثبتاً للمأمورين ومهيجاً لهم : إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر كما تقول للرجل تحضه على أمر : إن كنت رجلاً فافعل كذا أي : إن كنتم تصدّقون بالتوحيد والبعث، الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين أي : ليحضره زيادة في التنكيل بهما، وشيوع العار عليهما، وإشهار فضيحتهما، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء، من الطوف، وأقلّ الطائفة ثلاثة، وقيل : اثنان، وقيل : واحد، وقيل : أربعة، وقيل : عشرة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها قال : بيناها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر : أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها وظهرها، فقلت : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ الله قال : يا بنيّ ورأيتني أخذتني بها رأفة ؟ إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. عن ابن عباس وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين قال : الطائفة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، والضياء المقدسي في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله الزاني لاَ يَنكِحُ قال : ليس هذا بالنكاح، ولكن الجماع، لا يزني بها حين يزني إلاّ زانٍ، أو مشرك وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين يعني : الزنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن مجاهد في قوله الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً قال : كنّ نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهنّ امرأة جميلة تدعى أمّ جميل، فكان الرجل من المسلمين يتزّوج إحداهنّ لتنفق عليه من كسبها، فنهى الله سبحانه أن يتزوّجهنّ أحد من المسلمين، وهو مرسل. وأخرج عبد بن حميد، عن سليمان بن يسار نحوه مختصراً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال : كانت بغايا في الجاهلية بغايا آل فلان، وبغايا آل فلان، فقال الله الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً الآية، فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية، وروى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن الضحاك في الآية قال : إنما عنى بذلك الزنا، ولم يعن به التزويج. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في هذه الآية قال : الزاني من أهل القبلة لا يزني إلاّ بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلاّ بزانٍ مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرّم الزنا على المؤمنين. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عبد الله بن عمرو قال : كانت امرأة يقال لها : أمّ مهزول، وكانت تسافح، وتشترط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجها، فأنزل الله الزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ . وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال :" كان رجل يقال له : مرثد، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغيّ بمكة يقال لها : عناق، وكانت صديقة له، وذكر قصة وفيها : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح عناقاً ؟، فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا مرثد الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين فلا تنكحها». وأخرج ابن جرير، عن عبد الله بن عمرو في الآية قال : كنّ نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهنّ لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس : أنها نزلت في بغايا معلنات كنّ في الجاهلية وكنّ زواني مشركات، فحرّم الله نكاحهنّ على المؤمنين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق شعبة مولى ابن عباس قال : كنت مع ابن عباس، فأتاه رجل، فقال : إني كنت أتبع امرأة، فأصبت منها ما حرّم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة، فأردت أن أتزوّجها، فقال الناس : الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ، فقال ابن عباس : ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كنّ نساء بغايا متعالنات يجعلن على أبوابهنّ رايات يأتيهنّ الناس يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية، تزوّجها فما كان فيها من إثم فعلىّ. وأخرج أبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، وابن مردويه، والحاكم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينكح الزاني المجلود إلاّ مثله» وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب : أن رجلاً تزوّج امرأة، ثم إنه زنى فأقيم عليه الحدّ، فجاءوا به إلى عليّ ففرق بينه وبين امرأته، وقال : لا تتزوّج إلاّ مجلودة مثلك.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني