قَوْله تَعَالَى: الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة فِي الْآيَة أَقْوَال: أَحدهمَا: أَن
صفحة رقم 499
الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم الْآيَة نزلت فِي امْرَأَة تسمى أم مهزول، وَكَانَت بغية، وَإِذا تزوجت بِرَجُل شرطت عَلَيْهِ أَن تنْفق عَلَيْهِ، فَأَرَادَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله أَن يتَزَوَّج بهَا، فَسَأَلَ النَّبِي []، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة وَيُقَال: إِن اسْم الْمَرْأَة كَانَ عنَاق. وَهَذَا قَول عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيرهمَا: " كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَغَايَا على أبوابهن رايات يعرفن بهَا، وَكن مخاصيب الرِّجَال، فَلَمَّا هَاجر أَصْحَاب رَسُول الله إِلَى الْمَدِينَة أَرَادَ نَاس من فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَن يتزوجوا بِهن لينفقن عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: معنى الْآيَة: " الزَّانِي المجلود لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة مجلودة، والزانية المجلودة لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان مجلود وَفِي بعض المسانيد: روى هَذَا القَوْل عَن النَّبِي بطرِيق أبي هُرَيْرَة.
وَالْقَوْل الرَّابِع: رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة الْوَالِبِي، عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى الْآيَة: الزَّانِي لَا يَزْنِي إِلَّا بزانية، وَمعنى النِّكَاح [هُوَ الْوَطْء]، قَالَ الزّجاج: وَهَذَا القَوْل ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يرد فِي الْقُرْآن ذكر النِّكَاح بِمَعْنى الْوَطْء.
وَالْقَوْل الْخَامِس - وَهُوَ أحسن الْأَقَاوِيل - قَول سعيد بن الْمسيب: أَن الْآيَة مَنْسُوخَة، وَقد كَانَ فِي حكم الْإِسْلَام لَا يجوز أَن يتَزَوَّج الزَّانِي بالمزني بهَا. قَالَ عبد الله بن مَسْعُود. إِذا تزوج الزَّانِي بالزانية فهما زانيان أبدا. قَالَ سعيد بن الْمسيب: ثمَّ نسخ هَذَا بقوله تَعَالَى: وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم والزانية أيم، فَيجوز التَّزَوُّج بهَا للزاني وَغَيره، وَالدَّلِيل على أَن الحكم الْآن هَذَا، مَا رُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ - أَنه كَانَ جَالِسا فِي الْمَسْجِد وَعِنْده عمر، فجَاء رجل وَقد دهش، وَكَانَ بِهِ لوث، فَقَالَ أَبُو بكر: قد جَاءَ هَذَا لأمر، سَله يَا عمر، فَقَالَ لَهُ عمر: مَا شَأْنك؟ فَذكر أَنه جَاءَهُ ضيف، وَأَن الضَّيْف زنى بابنته، فَقَالَ لَهُ عمر: قبحك الله، ودق على صَدره، وَقَالَ: هلا سترت على ابْنَتك، ثمَّ دَعَا بِالرجلِ وَالْمَرْأَة، فَأمر أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - أَن يجلد الْجلد، (ثمَّ زوج الْمَرْأَة من الرجل) وَذكر أَبُو عبيد - رَحمَه الله - أَنه يكره للرجل أَن يتَزَوَّج بالفاجرة، وَإِن فجرت امْرَأَته اسْتحبَّ لَهُ طَلاقهَا، قَالَ: وَأما الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي " أَن رجلا أَتَاهُ وَقَالَ: إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس، فَقَالَ: طَلقهَا فَقَالَ: إِنِّي أحبها. قَالَ: استمتع بهَا. قَالَ أَبُو [عبيد] هَذَا الْخَبَر نقل
ذَلِك على الْمُؤمنِينَ (٣) وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم بروايتين كل وَاحِد مِنْهُمَا مُرْسل، فَلَيْسَ يثبت هَذَا عَن النَّبِي وَلَئِن يثبت فَيحْتَمل أَن قَوْله: " إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس " تنْفق مَا وَقع بِيَدِهَا وَتُعْطِي، وَكَأَنَّهُ شكا مِنْهَا الْخرق وتضييع مَاله، وَلَيْسَ المُرَاد هُوَ أَنَّهَا تَزني، فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يذكر ذَلِك عِنْد النَّبِي، ثمَّ يَأْمُرهُ بإمساكها.
وَقَوله: وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا أَن ذَلِك مَنْسُوخ.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم