ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

٩٠٣- وفيه من الأسئلة : هل هذه الحصور باقية أو نسخت أو خصصت أم لا ؟ وما المستثنى وما المستثنى منه في المعنى وفي اللفظ ؟.
والجواب : أن هذه الآية فيها أربعة تأويلات :
الأول : روي عن ابن عباس وأصحابه رضوان الله عليهم أن النكاح في هذه الآية المراد به الوطء دون العقد(١).
ومقصود الآية التنفير من الزنا بذكر سوء حاله وما فاعله مشبه به فيه، وأنه محرم على المؤمنين كما في أول السورة، فأعيدت القصة مبالغة في المعنى وتأكيدا في التنفير منه، ومعناه : " الزاني المسلم لا يطأ وقت زناه إلا زانية من المسلمات أو أخس منها من المشركات، والزانية لا ينكحها إلا زان من المسلمين أو أخس منه وهو المشرك "، وذلك كله منفر عن الزنا كما قال الشاعر :
إذا سقط الذباب على شراب***سأتركه ونفسي تشتهيه.
فإذا كان هذا الفعل لا يباشره إلا أراذل أخسة، نفر منه ذوو المروءات والأنفاث، لا سيما أرباب الديانات والمخافة من الله تعالى.
وأنكر الزجاج هذا وقال : " لا يرد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج ". وكل نكاح في كتاب الله تعالى فالمراد به العقد إلا في قوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره (٢) فالمراد به الوطء للسنة الواردة في ذلك.
الثاني : أن تكون الآية نزلت في قوم مخصوصين. قال ابن عمر وابن عباس أيضا وأصحابه. قالوا : " هم قوم كانوا يزنون في الجاهلية ببغايا مشهورات، فلما أسلموا لم يمكنهم الزنا فأرادوا لفقرهم زواج تلك النسوة لأنه كانت عادتهن الإنفاق على من يتزوجهن، فسمي هؤلاء الأزواج زناة باعتبار ما كانوا عليه في الجاهلية " (٣).
وقوله : لا ينكح أي : لا يتزوج، وفي الآية على هذا التأويل تفجع عليهم وتوبيخ لهم على قلت همتهم وخساسة نفوسهم التي لم تنفر عن زواج زانية أو مشركة.
ويرد على هذا التأويل انعقاد الإجماع على أن الزانية لا يجوز أن يتزوجها مشرك ؛ حكى هذا الإجماع ابن عطية وغيره.
ثم قوله تعالى : وحرم ذلك على المؤمنين أي : نكاح أولئك البغايا. أهل هذا التأويل يقولون : " إن أولئك البغايا محرمات على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهن نسوة معدودة معروفات بأسمائهن كن في المواخير– والمواخير جمع مأخور، وهو الموضع الذي كانت الجاهلية تؤخر فيه فتياتهم لهذا الغرض-.
والثالث : قاله الحسن أن المراد : الزاني المحدود والزانية المحدودة، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة. وروي أن محدودا تزوج بغير محددة فرد علي بن أبي طالب رضين الله عنه نكاحها.
وقوله تعالى : وحرم ذلك على المؤمنين يريد : الزنا. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله " (٤). وضعف الرواة هذا الحديث. ثم إدخال المشرك في هذه الآية يرده، وألفاظ الآية ترد هذا التأويل.
الرابع : قول ابن المسيب، قال : " هو حكم في الزناة عامة، وكن حراما على غير الزاني، ثم نسخ ذلك ورخص فيه بقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم (٥)، وقاله مجاهد، غير انه قال : التحريم في أولئك النفر من الزناة خاصة لا في زناة عامة، غير أن ذكر المشرك يبقى يرد على ذلك ".
ويمكن أن يقال : أنه حكم كان ونسخ، غير أني لا أنقله في إباحة مسلمة لمشرك في وقت من الأوقات، لا منسوخا ولا غير منسوخ. ويحتمل أن يكون لفظ الشرك استعمل مجازا فيما يوجب تفويت النفس ؛ لأن الشرك يوجب تفويت النفس كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة " (٦) فعبر بالشرك عن كونه يقتل بترك الصلاة كما يقتل بالشرك، فيكون من مجاز التعبير بالسبب الذي هو الشرك عن المسبب الذي هو تفويت النفس. وعلى هذا يكون المراد بالمشرك المحصن الذي يفوت نفسه بالرجم، وبالزاني المذكور معه الزاني البكر. ويحتمل أن يكون عبر بالمشرك عن من كثر زناؤه وإعراضه عن ربه تعالى، حتى صار به سوء صنيعه إلى الزنا كما قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : " أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته لشريكي " (٧). يشير إلى الزناء فيكون المشرك على هذا حقيقة لغوية مجازا شرعيا، لاشتهار المشرك في الشرع في الكافر ويكون المراد بالزاني المذكور معه، الزاني الذي لم يصل إلى هذه الرتبة بل ابتلي بالزنا فقط من غير رياء، ولا تقحم هذه المعاصي التي هي غير الزنا.
وأما المشركة فلا حاجة إلى تأويلها ؛ فإنها مباحة للمسلم والكافر إن كان شركها وهي كتابية، وإن كان المراد عموم المشرك حتى تندرج الوثنية اندرجت في الأشكال لتحريمها على المسلم.
إذا تقررت هذه التأويلات، فالآية على التأويل الأول محكمة، لا نسخ فيها ولا تخصيص أيضا، بل هي عامة، وفيها مجازات :
أحدها : التعبير بلفظ الخبر عن النبي فإن لفظها لفظ الخبر والمراد التنفير من الزنا، وهذا نهي، ويدخلها أيضا مجاز شرعي لاشتهار النكاح في العقد شرعا.
وعلى التأويل الثاني : تدخلها مجازات : أحدها : التخصيص وهو التعبير بصيغة العموم عن قوم مخصوصين. وثانيها : مجاز التعبير بلفظ الخبر عن النهي ؛ لأن المراد أيضا التنفير من تلك الحالة في سقوط الهمة. وثالثها : تسمية الزاني باعتبار ما كان عليه، وهو الآية قد وطئ بعقد صحيح ولا نسخ في الآية أيضا.
وعلى التأويل الثالث مجازان، أحدهما : التخصيص، فإنه عبر بلفظ الزناة العام عن المحدودين دون غيرهم. وثانيهما : التعبير بلفظ الخبر عن النهي، فإن المراد على هذا التأويل تحريم المحدودة والمحدود عل غيرهما إلى يوم القيامة من غير نسخ.
وفي التأويل الرابع يدخل النسخ دون التخصيص، ومجاز واحد وهو التعبير عن لفظ الخبر عن التحريم المنسوخ.
فهذا تقرير هذا الموضع.
وأما المستثنى والمستثنى منه، ففي صدر الآية من المفاعيل وقع الاستثناء فيها. فالمستثنى والمستثنى منه مفاعيل في اللفظ والمعنى، وفي آخر الآية المستثنى والمستثنى منه فاعلون في اللفظ والمعنى. ( الاستغناء : ٢٢٧ إلى ٢٣١ ).
٩٠٤- قال ابن يونس : قال ابن حبيب : لا يجوز نكاح الزانية المجاهرة لقوله تعالى : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ويستحب مفارقتها إن كانت زوجة إلا أن يبتلى بحبها لقوله عليه السلام لما قال له الرجل : " إن امرأتي لا ترد يد لامس. قال : قال : فارقها. قال : إني أحبها. قال : أمسكها " قال عليه السلام خشية أن يزني بها. خرجه مسلم(٨). قال وما علم من ذلك استبرأه بثلاث حيض في الحرة، وحيضة في الأمة.
وكره مالك نكاح الزانية من غير تحريم، إما لأن النكاح في الآية المراد به الوطء على وجه الزنا، لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة كما روي عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما(٩) أو لأنها منسوخة بقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم (١٠) قاله ابن المسيب(١١). ( الذخيرة : ٤/٢٥٩ ).

١ - ن: تفسير ابن كثير: ٣/٤٢١..
٢ - سورة البقرة: ٢٣٠..
٣ - ن: بعض الروايات الواردة في هذا الموضوع في تفسير ابن كثير: ٣/٤٢١- ٤٢٢..
٤ - خرجه أبو داود في سننه: ٢/٢٢٠..
٥ سورة النور: ٣٢..
٦ - خرجه أصحاب الكتب الستة، أغلبها ورد بلفظ: "بين العبد والكفر ترك الصلاة، ن: صحيح مسلم كتاب الإيمان ح: ١١٦ سنن الترمذي: كتاب الإيمان ح: ٢٥٤٣. سنن أبي داود: كتاب السنة ح: ٤٠٥٨....
٧ - أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجة في سننه، وقال المنذري: إسناد ابن ماجة رجاله ثقاة. ن: فيض القدير: ٤/٤٨٣..
٨ - الحديث خرجه النسائي في سننه، كتاب النكاح، باب تزويج الزانية. عن ابن عباس. ولم يروه مسلم كما قال المؤلف..
٩ - ن: تفسير ابن كثير: ٣/٤٢١..
١٠ - سورة النور: ٣٢..
١١ - عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قول الله عز وجل: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ قال: سمعته يقول: إنها قد نسخت بالآية التي بعدها. ثم قرأ: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ ن: الموطأ برواية محمد بن الحسن: ٣٤٤. ح: ١٠٠٤ باب التفسير وعلق ابن العربي عليه بقوله: "قد بينا في القسم الثاني من (الناسخ والمنسوخ) من علوم القرآن أن هذا ليس بنسخ، وإنما هو تخصيص عام وبيان لمجمل كما تقتضيه الألفاظ وتوجيه الأصول من فسر النكاح بالوطء وبالعقد وتركيب المعنى عليه. والله أعلم". ن: أحكام القرآن: ٣/١٣٣١- ١٣٣٢..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير