اللعان
روى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم :( إن الرجل يجد الرجل مع أهله وإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت سكت على غيظ اللهم بين )١، فكانت هذه الآيات علاجا لذلك وشفاء لغيظه، ورحمة بالناس، وخاصة بالأسرة الإسلامية : لتقوم على الاطمئنان النفسي، والثقة التي تكون بين ركنيها، وهما الزوجان، ولصيانتها عن القالة.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ ، أي لم يكن شهداء غيرهم ولم يذكر عددا في الرمي، للإشارة إلى ما ينبغي، وهو ألا يعلم أحد بما يلاحظه على زوجه في هذه التهمة، فأسرار الأسرة لا يصح أن تعلن على الملأ فلا يسأل : من شهودك الذين يشهدون بصحة قولك، ولا يقدم هو تهمته، فيعفيه حكم اللعان من تقديم شهادة أو المطالبة بأي شاهد.
وسميت العقوبة عقوبة اللعان، لما اشتملت عليها بعض الأيمان بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وكلمة شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ الشهادة تطلق، ويراد بها الحضور، ولعل هذا هو المعنى الأصلي، وتطلق ويراد بها الإقرار كقوله تعالى :... وما شهدنا إلا بما علمنا... ( ٨١ ) [ يوسف ]، وتطلق ويراد بها الشهادة، وكلمة أشهد بالله تتضمن معنى اليمين، وقال بعض اللغويين : إن كلمة ( أشهد ) بذاتها من غير اقترانها بكلمة ( بالله ) تتضمن معنى اليمين.
وكلمة : وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ هي جمع شهيد أو شاهد، الظاهر أنه ليس معهم شاهد يشهد إلا أنفسهم، لأنه لم يحضر سواهم، أو لم يتقدم للشهادة أحد سواهم، وأنفسهم مستثنى مفرغ من ( شهداء )، أي لم يشهد في الرمي إلا أنفسهم، وقد ذكر الله أربع شهادات فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، ونرى أن الشهادة قد اقترنت بالله فكانت الشهادة يمينا، فيحلف أربع مرات متتالية إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وقد أكد صدقه بيمينه بثلاثة مؤكدات : أولها ( إن ) التي تفيد التوكيد، واللام المؤكدة دخلت عليه، والثالثة وصفه بأنه من الصادقين، أي من زمرة أهل الصدق، وجماعتهم، وهم المتقون الأبرار.
والشهادة الخامسة، أي اليمين الخامسة يحلف بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، أي يحلف بأن الله تعالى ينزل عليه لعنته إن كان من الكاذبين، فهو يوثق طلب إنزال لعنة الله به إن كان كاذبا، وهذه الجملة أهي طلبية بمعنى أنه يطلب من الله أن ينزل اللعنة به ؟ الظاهر ذلك، ولكن تحتمل أن تكون خبرية، بمعنى أنه يحلف أنه يستحق لعنة الله تعالى إن كان من الكاذبين، وذلك ظاهر من التعليق، وإلى هذا نميل.
هذه أيمان الرجل، انتهت بالحلف على استحقاقه اللعنة إن كان كاذبا، أما المرأة فإنها تكون عرضة للعذاب، وهو عقاب الزنى، فإذا كان الرجل صادقا وأقرت بالزنى، فالعقوبة هي العقوبة المقررة في آيات الزنى، ولكنها لم تقر، فقال تعالى : وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( ٨ ) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( ٩ ) .
ويدرأ معناها يميل عنها، أو يدفع وتبرأ ساحتها، أن تحلف أربع مرات بالله إنه لمن الكاذبين، وقد تأكد إثباتها لكذبه بما تأكد لكذبه به إثباته لصدقه، بأن واللام، ودخوله في صفوف الكاذبين، والخامسة حلفها باستحقاقها للعذاب بأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وكونها طلبية أو خبيرية، وميلنا إلى أنها خبرية شرطية هو ما قلناه في شهادته الإيجابية المثبتة فيقال هنا في النفي ما قيل في الإثبات.
ولا بد هنا من الكلام في أمور :
الأمر الأول : أن نفي نسب الولد يعد من الرمي بشرط ألا يكون منه إقرار بالنسب ولو ضمنا، فلو نفي بسبب الولادة إذا لم يوجد منه ما يدل على رضاه به ونسبته إليه، ولو كان جنين في بطن أمه، فإن النسب ينتفي، ويجب اللعان، وإلا حدّ حد القذف، وإذا امتنعت هي عن اللعان سترة بالنفي حدّت حد الزنى المقرر في القرآن.
والأمر الثاني : أنه في الآية اشترط رؤية الرجل للزنى، وإن اشتراطه قول من لا دليل عنده في هذا، بل الدليل قائم على نفي هذا الشرط، بدليل اللعان عند نفي نسب الولد، وبالدليل جواز اللعان من الأعمى، واشتراط علمه بالجس باليد، كلام غير جدير بالالتفات.
الأمر الثالث : أن الشهادات في اللعان يمين فلا يشترط فيه إلا صلاحية العبادة باليمين، بأن يكون بالغا عاقلا، أم أنها شهادة وليست يمينا مجردة، بل الشهادة جزء من أجزائها، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة من أن يكون بالغا عاقلا مسلما حرا.
بالأول أخذ مالك والشافعي وأحمد، ولذا لا يشترط في اللعان أن يكون المتلاعنان مسلمين حرين، فلا يجوز اللعان بين الذميين، ولا العبيد، بل يكون التلاعن في الذميين، وغيرهم، وذلك القول يجعل الجماعة الإسلامية نزيهة عن قول الباطل، وعن سماعه من الذميين، والعبيد، وهذا القول كما ترى مبني على أن هذه الشهادات أيمان خالصة.
والقول الآخر، أنها شهادة فيها يمين، وقد قال أبو حنيفة، وقول عند الشافعي، فلا لعان عند هؤلاء بين الذميين ولا بين العبيد، ولا لعان إذا كان أحد الزوجين ذميا أو عبدا.
الأمر الرابع : أن الثقة دعامة العلاقة بين الزوجين، فإذا عرض لها ما يزعزعها انفصمت العلاقة الزوجية وأصبح الزواج حراما وبينهما اللعان ويفرق بينهما، وهي فرقة أبدية لا يحل له أن يتزوجها، وتكون كحرمة المشركة والمشرك، وعلى هذا جمهور الفقهاء.
وقال أبو حنيفة : إنها تحرم عليه إلى أن يكذب نفسه، فإذا كذب نفسه حلت له، وحدّ حد القذف، فله أن يتزوجها من جديد وتقوم بينهما عشرة زوجية بعقد ومهر جديدين، وإن هذا الرأي أرفق بالناس، وفي هذا الموضع كلام فارجع إليه في كتاب الفقه٢. وإن اللعان فضل من الله تعالى على عباده، وقبل أن نترك الكلام في طريقته نقول : إنه عبر عن اللعنة في جانب الرجال، لأنه أقوى جلدا وإدراكا لمعنى الطرد، ولا يؤثر فيهم الغضب بمقدار ما يؤثر الطرد الحسي، لا مجرد الغضب النفسي، وفي جانب النساء عبر بالغضب، لأنه يؤثر في نفوسهن، ومجرد الإعراض يؤثر في نفوسهن.
٢ كتاب "أصول الفقه" للإمام محمد أبو زهرة..
زهرة التفاسير
أبو زهرة