ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

ثم يقول الحق سبحانه١ :
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ( ٦ ) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ( ٧ ) :
بعد أن تكلم الحق- تبارك وتعالى- عن الذين يرمون المحصنات، وبين حكم القذف، أراد أن يبين حكم الرمي إن كان من الزوج لزوجته، لأن الأمر هنا مختلف، وربما يكون بينهما أولاد منه أو من غيره، فعليه أن يكون مؤدبا بأدب الشرع، ولا يجرح الأولاد برمي أمهم ولا ذنب لهم.
لذلك شرع الحق- سبحانه وتعالى- في هذه الحالة حكما خاصا بها هو الملاعنة، وقد سميت هذه الآية آية اللعان.
ويروى أن هلال بن أمية ذهب إلى رسول الله ( ص ) وقال له : يا رسول الله إني رأيت فلانا على بطن زوجتي، فإن تركته لآتي بأربعة شهداء لقضى حاجته وانصرف، وإن قتلته فقد اعتديت عليه٢.
إذن : ما حل هذا اللغز ؟.
وينبغي أن نعلم أن الله تعالى لا ينزل التشريع والحكم بداية، إنما يترك في الكون من أقضية الحياة وأحداثها ما يحتاج لهذا الحكم، بحيث ينزل الحكم فيصادف الحاجة إليه، كما يقولون : موقع الماء من ذي الغلة الصادي، يعني : حين ينزل الحكم يكون له موضع فيتلقفه الناس، ويشعرون أنه نزل من أجلهم بعد أن كانوا يستشرفون لحكم في مسألة لم يأت فيها حكم.
وقد شرع الله تعالى حكم الملاعنة أو اللعان خاصة، لهذه الحالة التي يلاحظ فيها الزوج شيئا على أهله، وقد يضع يده عليه، لكن لا يستطيع أن يأتي عليه بشهود ليثبت هذه الحالة، لذلك جعله الشارع الحكيم يقوم وحده بهذه الشهادة، ويكررها أربع مرات بدل الشهداء الأربع.
يقول : أشهد الله أنني صادق فيما رميت به امرأتي، يقولها أربع مرات، وفي الخامسة يقول : ولعنة الله علي إن كنت كاذبا، وهكذا ينتهي دور الزوج في الملاعنة.

١ سبب نزول الآية: عن ابن عباس قال: لما نزلت: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة.. (٤) [النور] قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال (ص): ألا تسمعوا يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله إنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله، ولكن قد تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهيجه حتى أصبح وغدا على رسول الله (ص) فأخبره بما كان، فكره رسول الله ما جاء به واشتد عليه فقال سعد بن عبادة: الآن يضرب رسول الله (ص) هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين. فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا. فنزلت آية والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم.. (٦) [النور] فقال رسول الله (ص): أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا. فقال: قد كنت أرجو ذاك من ربي. وذكر باقي الحديث. أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص ١٨٠، ١٨١)..
٢ لفظ الحديث عند الإمام أحمد في مسنده (١/٢٣٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية- وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- جاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني" الحديث..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير