قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين الآية هذا جواب عن قولهم : مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق [ الفرقان : ٧ ] أي : هذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن١.
قوله : إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ حق الكلام أن يقال : إلاَّ أنَّهُمْ. بفتح الألف، لأنه متوسط، والمكسورة لا تليق إلاَّ بالابتداء، فلهذا ذكروا في هذه الجملة ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها في محل نصب صفة لمفعول محذوف، فقدره الزجاج٢ والزمخشري٣ :«وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ أحَداً مِن المُرْسَلِين إلا آكِلِين وَمَاشِينَ ». وإنما حذف، لأن في قوله :«مِنَ المُرْسَلِينَ » دليلاً عليه٤، نظيره قوله تعالى : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [ الصافات : ١٦٤ ] بمعنى : مَا مِنَّا أحدٌ٥. وقدره ابن عطية : رجالاً أو رسلاً٦. والضمير في «إنَّهم »٧ وما بعده عائد على٨ هذا الموصوف٩ المحذوف١٠.
والثاني : قال الفراء : إنها لا محل لها من الإعراب، وإنما هي صلة لموصول محذوف هو المفعول ( ل «أَرْسَلْنَا » )١١، تقديره : إلا من أنهم. فالضمير في «إنَّهُمْ » وما بعده عائد على معنى «مَنْ » المقدرة، واكتفي بقوله :«مِنَ المُرْسَلِينَ » عنه كقوله : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ( كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً )١٢ ١٣ [ مريم : ٧١ ]، أي : إلاَّ من يردها١٤.
فعلى قول الزجاج الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين إلاَّ في مواضع، تقدَّم التنبيه عليها في البقرة١٥.
الثالث : أن الجملة محلها النصب على الحال، وإليه ذهاب ابن الأنباري١٦ قال : التقدير : إلاَّ وإنهم، يعني أنها حالية١٧، فقدَّر معها الواو بياناً للحالية، فكسر بعد استئناف. وردَّ بكون ما بعد «إلاَّ » صفة لما قبلها، وقدره أبو البقاء أيضاً١٨. والعامة على كسر «إنَّ »، لوجود اللام في خبرها، ولكون الجملة حالاً١٩ على الراجح. قال أبو البقاء : وقيل : لَوْ لَمْ تكن اللام لكسرت أيضاً لأن الجملة حالية٢٠، إذ المعنى : إلاَّ وَهُمْ٢١. وقيل : المعنى : إلا قيل إنهم٢٢.
وقرئ «أنَّهُمْ » بالفتح على زيادة اللام وأن مصدرية، والتقدير : إلاَّ لأنَّهُمْ٢٣ أي : ما جعلنا رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم٢٤.
وقرأ العامة «يَمْشُونَ » خفيفة، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وعبد الله «يُمَشُّونَ » مشدداً مبنيًّا للمفعول، أي : تُمَشِّيهِمْ حَوَائِجُهُمْ أو الناس٢٥.
وقرأ عبد الرحمن :«يَمشُّونَ » بالتشديد مبنيًّا للفاعل، وهي بمعنى «يَمْشُونَ »٢٦ قال الشاعر :
| وَمَشَّى بِأَعْطَانِ المِيَاهِ وابْتَغَى | قَلاَئِصَ مِنْهَا صَعْبَةٌ وَرَكُوبُ٢٧ |
قال شهاب الدين : قد قرأ بها السُّلَمِيّ ولله الحمد٢٩.
فصل
روى الضحاك عن ابن عباس قال : لمَّا عيَّر المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق [ الفرقان : ٧ ] أنزل الله هذه الآية٣٠. يعني : ما أنا إلا رسول، وما كنت بدعاً من الرسل، وهم كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كما قال في موضع آخر : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ [ فصلت : ٤٣ ]. وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي : بلية، فالغني فتنة للفقير، ( ويقول الفقير )٣١ : ما لي لم أكن مثله ؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع٣٢. قال ابن عباس : أي : جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم وتتبعون الهدى٣٣.
وقال الكلبي والزجاج٣٤ والفراء٣٥ : نزلت في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة فإذا رأى الشريف الوضيع٣٦ قد أسلم قبله أَنِفَ أن يسلم، وأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ويدل عليه قوله تعالى : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ٣٧ [ الأحقاف : ١١ ] وقيل : هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :«ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، ( وويل للرعية من السلطان )٣٨، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة » وقرأ هذه الآية٣٩.
وروي عن ابن عباس والحسن هذا في أصحاب البلاء والعافية ( هذا يقول لِمَ لَمْ أجعل مثله ) ٤٠ في الخلق، والخلق، وفي العقل، وفي العلم، وفي الرزق، وفي الأجل٤١.
وقيل : هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته لهم في البشريّة وصفاتها، فالمرسلون يتأذون من المرسل إليهم بأنواع الأذى على ما قال : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً [ آل عمران : ١٨٦ ]، والمرسل إليهم يتأذون أيضاً ( من الرسل )٤٢ بحسب الحسد، وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً٤٣.
والأولى حمل الآية على الكل، لأن بين الجميع قدراً مشتركاً٤٤.
قال عليه السلام :«إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ والجَسدِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ دُونَهُ في المالِ والجَسَدِ »٤٥.
قوله : أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً . «أَتَصْبِرُونَ » المعادل محذوف، أي : أم لا تصبرون وهذه الجملة استفهام، والمراد منه : التقرير بأن٤٦ موقعه بعد الفتنة موقع أيّكم بعد الابتلاء في قوله : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ٤٧ أَحْسَنُ عَمَلاً ٤٨ [ هود : ٧ ] بمعنى : أنها معلِّقة لما فيها من معنى فعل القلب، فتكون منصوبة المحل على إسقاط الخافض والمعنى :«أَتَصْبِرُونَ » على البلاء، فقد علمتم ما وعد الصابرون٤٩، وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي : عالم بمن يصبر، وبمن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب٥٠.
٢ معاني القرآن وإعرابه ٤/٦٢..
٣ الكشاف ٣/٩٣..
٤ أي: إنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور، هو "من المرسلين"..
٥ انظر الكشاف ٣/٩٣..
٦ تفسير ابن عطية ١١/٢١..
٧ في ب: إنه. وهو تحريف..
٨ في ب: في. وهو تحريف..
٩ في النسختين: الموصول..
١٠ انظر تفسير ابن عطية ١١/٢١، البحر المحيط ٦/٤٩٠..
١١ ما بين القوسين في ب: إلا رسلنا. وهو تحريف..
١٢ مريم: ٧١..
١٣ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٤ انظر معاني القرآن ٢/٢٦٤..
١٥ عند قوله تعالى: وبث فيها من كل دابة [١٦٤]..
١٦ المراد به أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد الأنباري النحوي اللغوي، له كتب كثيرة منها غريب الحديث، المذكر والمؤنث، والمقصور والممدود، وغير ذلك مات سنة ٣٢٨ هـ، بغية الوعاة ١/١١٢- ١١٤..
١٧ قال أبو حيان: (وهذا هو المختار) البحر المحيط ٦/٤٩٠، وانظر القرطبي ١٣/١٣..
١٨ التبيان ٢/٩٨٣..
١٩ في النسختين: حال. والصواب ما أثبته..
٢٠ حالية: سقط من ب..
٢١ التبيان ٢/٩٨٣..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٦٥..
٢٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٤ انظر البحر المحيط ٦/٤٩٠..
٢٥ انظر المحتسب ٢/١٢٠، تفسير ابن عطية ١١/٢١ – ٢٢، البحر المحيط ٦/٤٩٠..
٢٦ أي بمعنى قراءة العامة. انظر تفسير ابن عطية ١١/٢٢، البحر المحيط ٦/٤٩٠..
٢٧ البيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير ابن عطية ١١/٢٢، القرطبي ١٣/١٤، البحر المحيط ٦/٤٩٠..
٢٨ الكشاف ٣/٩٣..
٢٩ الدر المصون ٥/١٣٢..
٣٠ انظر البغوي ٦/١٦٥..
٣١ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٢ انظر البغوي ٦/١٦٥..
٣٣ المرجع السابق..
٣٤ معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٦٢..
٣٥ معاني القرآن ٢/ ٢٦٥..
٣٦ في ب: الوضع. وهو تحريف..
٣٧ [الأحقاف: ١١]. وانظر الفخر الرازي ٢٤/ ٦٥..
٣٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/ ٦٥ – ٦٦..
٤٠ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٤١ انظر الفخر الرازي ٢٤/٦٦..
٤٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٣ انظر الفخر الرازي ٢٤/ ٦٦..
٤٤ المرجع السابق..
٤٥ أخرجه مسلم (زهد) ٤/٢٢٧٥، الترمذي (لباس) ٣/١٥٦. وأحمد ٢/٣١٤، وانظر البغوي ٦/١٦٦..
٤٦ في الأصل: فإن..
٤٧ في ب: أنكم. وهو تحريف..
٤٨ [هود: ٧]، [الملك: ٢]، وانظر الكشاف ٣/٩٣..
٤٩ في الأصل: الصابرين..
٥٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٦٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود