ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

اسْتَلْزَمَ اسْتِحْقَاقَ الذَّمِّ وَاسْتِحْقَاقُ اللَّه تَعَالَى الذَّمَّ مُحَالٌ، وَمُسْتَلْزَمُ الْمُحَالِ مُحَالٌ كَانَ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحَالًا وَالْمُحَالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّه تَعَالَى قَادِرًا عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُلْجَأً إِلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْوَاجِبُ مَا يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا يَكُونُ الْقَوْلُ بِالْإِلْجَاءِ لَازِمًا، فَلَمْ يَكُنِ اللَّه قَادِرًا، فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِ الْوَعْدِ، فَنَقُولُ لَوْ لم يفعل لا نقلب خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا وَعِلْمُهُ جَهْلًا وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالْمُؤَدِّي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ فَالتَّرْكُ مُحَالٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُلْجَأً إِلَى الْفِعْلِ وَالْمُلْجَأُ إِلَى الْفِعْلِ لَا يَكُونُ قَادِرًا، وَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ، / تَمَامُ السُّؤَالِ وَجَوَابُهُ: أَنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ فِعْلِهِ وَعَنِ الْعِلْمِ بِفِعْلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ فِعْلًا لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْجَاءِ، فَكَانَ قَادِرًا وَمُسْتَحِقًّا لِلثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَعْداً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ حَصَلَتْ بِحُكْمِ الْوَعْدِ لَا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
المسألة الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: مَسْؤُلًا ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ سَأَلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٤]، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ سَأَلُوهُ بِلِسَانِ الْحَالِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ فِي طَاعَتِهِ كَانَ ذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ السُّؤَالِ، قَالَ الْمُتَنَبِّي:

وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وَفِيكَ فَطَانَةٌ سُكُوتِي كَلَامٌ عِنْدَهَا وَخِطَابُ
وَثَالِثُهَا: الْمَلَائِكَةُ سَأَلُوا اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [غافر: ٨] ورابعها:
وَعْداً مَسْؤُلًا أي واجبا، يقال لأعطينك ألفا وعدا مسؤولا أي واجبا وإن لم تسأل، قال الْفَرَّاءُ. وَسَائِرُ الْوُجُوهِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا لِأَنَّ سَائِرَ الْوُجُوهِ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَا قَالَهُ الفراء مجاز وخامسها: مسؤولا أي من حقه أن يكون مسؤولا لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ، إِمَّا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ بِحُكْمِ الْوَعْدِ عَلَى قَوْلِ أهل السنة.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١٧ الى ٢٠]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ] اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الْفُرْقَانِ: ٣] ثم هاهنا مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: يَحْشُرُهُمْ فَنَقُولُ كِلَاهُمَا بِالنُّونِ وَالْيَاءِ وَقُرِئَ نَحْشِرُهُمْ بِكَسْرِ الشِّينِ.

صفحة رقم 441

المسألة الثَّانِيَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَما يَعْبُدُونَ أَنَّهَا الْأَصْنَامُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي أَنَّهُ مَنْ عُبِدَ مِنَ الْأَحْيَاءِ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْإِضْلَالَ وَخِلَافَهُ مِنْهُمْ يَصِحُّ فَلِأَجْلِ هَذَا اخْتَلَفُوا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَوْثَانِ، فَإِنْ قِيلَ لَهُمُ الْوَثَنُ جَمَادٌ فَكَيْفَ خَاطَبَهُ اللَّه تَعَالَى، وَكَيْفَ قَدَرَ عَلَى الْجَوَابِ؟
فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَخْلُقُ فِيهِمُ الْحَيَاةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُخَاطِبُهُمْ فَيَرُدُّونَ الْجَوَابَ وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْكَلَامُ لَا بِالْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ بَلْ عَلَى سَبِيلِ لِسَانِ الْحَالِ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي تَسْبِيحِ الْمَوَاتِ وَكَلَامِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، وَكَمَا قِيلَ: سَلِ الْأَرْضَ مَنْ شَقَّ أَنْهَارَكِ، وَغَرَسَ أَشْجَارَكِ؟ فَإِنْ لَمْ تُجِبْكَ حِوَارًا، أَجَابَتْكَ اعْتِبَارًا! وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَزَعَمُوا أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمَلَائِكَةُ وَعِيسَى وَعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالُوا وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ [سَبَأٍ: ٤٠] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لَفْظَةُ (مَا) لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُقَلَاءِ أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَلِمَةَ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا (مَنْ) لِمَا لَا يَعْقِلُ وَالثَّانِي: أُرِيدَ بِهِ الْوَصْفُ كَأَنَّهُ قِيلَ (وَمَعْبُودَهُمْ) «١»، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشَّمْسِ: ٥] وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الْكَافِرُونَ: ٣] لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَكَيْفَ كَانَ فَالسُّؤَالُ سَاقِطٌ.
المسألة الثَّالِثَةُ: حَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَحْشُرُ الْمَعْبُودِينَ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ أَأَنْتُمْ أَوْقَعْتُمْ عِبَادِي فِي الضَّلَالِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا عَنْهُ بِأَنْفُسِهِمْ؟ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: وَفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّه يُضِلُّ عِبَادَهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ يَقُولُوا إلهنا هاهنا قِسْمٌ ثَالِثٌ غَيْرُهُمَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ أَنَّكَ أَنْتَ أَضْلَلْتَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ بَلْ نَسَبُوا إِضْلَالَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، عَلِمْنَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يُضِلُّ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْبُودِينَ مَا تَعَرَّضُوا لِهَذَا الْقِسْمِ بَلْ ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ضَلَالَهُمْ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَجْلِ مَا فَعَلَ اللَّه بِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَتَّعَهُمْ وَآبَاءَهُمْ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا. قُلْنَا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَصِيرَ اللَّه مَحْجُوبًا فِي يَدِ أُولَئِكَ الْمَعْبُودِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ ذَلِكَ بَلِ الْغَرَضُ أَنْ يَصِيرَ الْكَافِرُ مَحْجُوجًا مُفْحَمًا مُلْزَمًا هَذَا تَمَامُ تَقْرِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْآيَةِ، أَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الضَّلَالِ إِنْ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاهْتِدَاءِ فَالْإِضْلَالُ مِنَ اللَّه تعالى، وإن صحلت لَهُ لَمْ تَتَرَجَّحْ مَصْدَرِيَّتُهَا لِلْإِضْلَالِ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهَا لِلِاهْتِدَاءِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ مِنَ اللَّه تَعَالَى، وَعِنْدَ/ لذلك يَعُودُ السُّؤَالُ، وَأَمَّا ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِسَائِرِ الظَّوَاهِرِ الْمُطَابِقَةِ لِقَوْلِنَا.
المسألة الرَّابِعَةُ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مِنَ اللَّه تَعَالَى وَإِنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى. بَقِيَ عَلَى الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ.
الْأَوَّلُ: مَا فَائِدَةُ أَنْتُمْ وَهُمْ؟ وَهَلَّا قِيلَ أَأَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ؟ الْجَوَابُ: لَيْسَ السُّؤَالُ عَنِ الْفِعْلِ وَوُجُودِهِ، لِأَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُهُ لَمَا تَوَجَّهَ هَذَا الْعِتَابُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ فَاعِلِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ وَإِيلَائِهِ حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عَنْهُ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَانَ عَالِمًا في الأزل بحال المسؤول عَنْهُ فَمَا فَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ؟ الْجَوَابُ: هَذَا

(١) في الكشاف (ومعبوديهم) ٣/ ٨٤ ط. دار الفكر.

صفحة رقم 442

اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لِلْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ لِعِيسَى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْمَائِدَةِ: ١١٦] وَلِأَنَّ أُولَئِكَ الْمَعْبُودِينَ لَمَّا بَرَّءُوا أَنْفُسَهُمْ، وَأَحَالُوا ذَلِكَ الضَّلَالَ عَلَيْهِمْ صَارَ تَبَرُّؤُ الْمَعْبُودِينَ عَنْهُمْ أَشَدَّ فِي حَسْرَتِهِمْ وَحَيْرَتِهِمْ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَالَ تَعَالَى: أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ ضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ، الْجَوَابُ: الْأَصْلُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مُتَنَاهِيًا فِي التَّفْرِيطِ وَقِلَّةِ الِاحْتِيَاطِ، يُقَالُ ضَلَّ السَّبِيلَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَكَى جَوَابَهُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: سُبْحانَكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْهُمْ فَقَدْ تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ وَأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ فَمَا أَبْعَدَهُمْ عَنِ الْإِضْلَالِ الَّذِي هُوَ مُخْتَصٌّ بِإِبْلِيسَ وَحِزْبِهِ وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِسُبْحَانَكَ لِيَدُلُّوا عَلَى أَنَّهُمُ الْمُسَبِّحُونَ (الْمُقَدِّسُونَ الْمُؤْمِنُونَ) «١» بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحَالِهِمْ أَنْ يُضِلُّوا عِبَادَهُ وَثَالِثُهَا: قَصَدُوا بِهِ تَنْزِيهَهُ عَنِ الْأَنْدَادِ، سَوَاءً كَانَ وَثَنًا أَوْ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا وَرَابِعُهَا:
قَصَدُوا تَنْزِيهَهُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ اسْتِفَادَةَ عِلْمٍ أَوْ إِيذَاءَ مَنْ كَانَ بَرِيئًا عَنِ الْجُرْمِ، بَلْ إِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُمْ تَقْرِيعًا لِلْكُفَّارِ وَتَوْبِيخًا لَهُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ أَنْ نَتَّخِذَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْخَاءِ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ عَامِرٍ بِرَفْعِ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ أَخْطَأَ مَنْ قَرَأَ أَنْ نُتَّخَذَ بِضَمِّ النُّونِ لِأَنَّ (مِنْ) إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْأَسْمَاءِ إِذَا كَانَ مَفْعُولًا أَوَّلًا وَلَا تَدْخُلُ عَلَى مَفْعُولِ الْحَالِ تَقُولُ مَا اتَّخَذْتُ مِنْ أَحَدٍ وَلِيًّا، وَلَا يَجُوزُ مَا اتَّخَذْتُ أَحَدًا مِنْ وَلِيٍّ، قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» اتَّخَذَ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذت وَلِيًّا، وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ اتَّخَذَ فُلَانًا وَلِيًّا، قَالَ اللَّه تَعَالَى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النِّسَاءِ: ١٢٥] وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى مِنَ الْمُتَعَدِّي إِلَى وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ أَوْلِياءَ، وَالْأَصْلُ أَنْ نَتَّخِذَ أَوْلِيَاءَ فَزِيدَتْ مِنْ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ، وَالثَّانِيَةُ مِنَ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولَيْنِ، فَالْأَوَّلُ مَا بُنِيَ لَهُ الْفِعْلُ، وَالثَّانِي مِنْ/ أَوْلِياءَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ لَا نَتَّخِذُ بَعْضَ أَوْلِيَاءَ وَتَنْكِيرُ أَوْلِيَاءَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ مَخْصُوصُونَ وَهُمُ الْجِنُّ وَالْأَصْنَامُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وُجُوهًا: أَوَّلُهَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَقْوَى، أَنَّ الْمَعْنَى إِذَا كُنَّا لَا نَرَى أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ فَكَيْفَ نَدْعُو غَيْرَنَا إِلَى ذَلِكَ وَثَانِيهَا: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَكُونَ أَمْثَالَ الشَّيَاطِينِ فِي تَوَلِّيهِمُ الْكُفَّارَ كَمَا يُوَلِّيهِمُ الْكُفَّارُ، قَالَ تَعَالَى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [النِّسَاءِ: ٧٦] يُرِيدُ الْكَفَرَةَ، وَقَالَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٧] عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ وَثَالِثُهَا: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِ رِضَاكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ، أَيْ لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّكَ لَا تَرْضَى بِهَذَا مَا فَعَلْنَاهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامُهُ وَرَابِعُهَا: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِنَّهُمْ عَبِيدُكَ، فَلَا يَنْبَغِي لِعَبِيدِكَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ إِذْنِكَ وَلِيًّا وَلَا حَبِيبًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَّخِذَ عَبْدٌ عَبْدًا آخَرَ إِلَهًا لِنَفْسِهِ وَخَامِسُهَا: أَنَّ عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْإِشْكَالُ زَائِلٌ، فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي أَنْ يَتَّخِذَهُمْ غَيْرُهُمْ أَوْلِيَاءَ، قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّا لَا نَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَكَيْفَ نَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا وَسَادِسُهَا: أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْأَصْنَامِ، وَأَنَّهَا قَالَتْ لَا يَصِحُّ مِنَّا أَنْ نَكُونَ مِنَ الْعَابِدِينَ، فَكَيْفَ يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين.

(١) في الكشاف (المتقدسون الموسومون) ٣/ ٨٦ ط. دار الفكر.

صفحة رقم 443

المسألة الثَّالِثَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوِلَايَةُ وَالْعَدَاوَةُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه، فَكُلُّ وِلَايَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى مَيْلِ النَّفْسِ وَنَصِيبِ الطَّبْعِ فَذَاكَ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّكَ يَا إِلَهَنَا أَكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى آبَائِهِمْ مِنَ النِّعَمِ وَهِيَ تُوجِبُ الشُّكْرَ وَالْإِيمَانَ لَا الْإِعْرَاضَ وَالْكُفْرَانَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّهُمْ ضَلُّوا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَا بِإِضْلَالِنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا عِنَادُهُمُ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا فَمَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحجة لَا يُمْكِنُ الْإِعْرَاضُ عَنْ طَاعَةِ اللَّه تَعَالَى وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَالرَّمْزِ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الْأَعْرَافِ: ١٥٥] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجِيبَ قَالَ:
إِلَهِي أَنْتَ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ جَمِيعَ مَطَالِبِهِ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى صَارَ كَالْغَرِيقِ فِي بَحْرِ الشَّهَوَاتِ، وَاسْتِغْرَاقُهُ فِيهَا صَارَ صَادًّا لَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى طَاعَتِكَ وَالِاشْتِغَالِ بِخِدْمَتِكَ، فَإِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ.
المسألة الثَّانِيَةُ: الذكر اللَّه والإيمان به (و) «١» القرآن وَالشَّرَائِعِ، أَوْ مَا فِيهِ حُسْنُ ذِكْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ رَجُلٌ بُورٌ وَرَجُلَانِ بُورٌ وَرِجَالٌ بُورٌ، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى، وَمَعْنَاهُ هَالِكٌ، وَقَدْ يُقَالُ رَجُلٌ بَائِرٌ وَقَوْمٌ بُورٌ، وَهُوَ مِثْلُ هَائِرٍ وَهُورٍ، وَالْبَوَارُ الْهَلَاكُ، وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ وَكَانُوا مِنَ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ، فَالَّذِي حَكَمَ اللَّه عَلَيْهِ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَعَلَّمَ ذَلِكَ وَأَثْبَتَهُ/ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَأَطْلَعَ الْمَلَائِكَةَ عَلَيْهِ، لَوْ صَارَ مُؤْمِنًا لَصَارَ الْخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وَلَصَارَ الْعِلْمُ جَهْلًا وَلَصَارَتِ الْكِتَابَةُ الْمُثْبَتَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بَاطِلَةً، وَلَصَارَ اعْتِقَادُ الْمَلَائِكَةِ جَهْلًا وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ وَمُسْتَلْزَمُ الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَصُدُورُ الْإِيمَانِ مِنْهُ مُحَالٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّعِيدَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ شَقِيًّا، وَالشَّقِيُّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ سَعِيدًا، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ هُوَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّه تَعَالَى آتَاهُمْ أَسْبَابَ الضَّلَالِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الْمُرَادَاتِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِغْرَاقُ النَّفْسِ فِيهَا، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ بَلَغَ مَبْلَغًا يُوجِبُ الْبَوَارَ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْبَوَارِ عَقِيبَ ذَلِكَ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَوَارَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ، فَرَجَعَ حَاصِلُ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَ بِالْكَافِرِ مَا صَارَ مَعَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ الْكُفْرِ، وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أَنَّ السَّعِيدَ لَا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وَأَنَّ الشَّقِيَّ لَا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ قُرِئَ يَقُولُونَ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، فَمَعْنَى مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِقَوْلِكُمْ إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، أَيْ كَذَّبُوكُمْ فِي قَوْلِكُمْ إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ تَحْتُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَذَّبُوكُمْ (بِقَوْلِكُمْ) «٢» سُبْحانَكَ، وَمِثَالُهُ قَوْلُكَ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً فَاعْلَمْ أنه قرئ يستطيعون بالياء أَيْضًا، يَعْنِي فَمَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْتُمْ يَا أَيُّهَا الْكُفَّارُ صَرْفَ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، وَقِيلَ الصَّرْفُ التَّوْبَةُ، وَقِيلَ الْحِيلَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ، أَيْ يَحْتَالُ أَوْ فَمَا يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكُمْ أَنْ يَصْرِفُوا عنكم العذاب (و) «٣» أن يحتالوا لكم.

(١) في الكشاف (أو) ٣/ ٨٦ ط. دار الفكر.
(٢) في الكشاف (بقولهم) / ٦٣/ ٨٦ ط. دار الفكر.
(٣) في الكشاف (أو) ٣/ ٨٧ ط. دار الفكر.

صفحة رقم 444

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: قُرِئَ يُذِقْهُ بِالْيَاءِ وَفِيهِ ضَمِيرُ اللَّه تَعَالَى أَوْ ضَمِيرُ (الظُّلْمِ) «١».
المسألة الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقَطْعِ بِوَعِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَقَالُوا ثَبَتَ أَنَّ (مَنْ) لِلْعُمُومِ فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْكَافِرَ ظَالِمٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: ١٣] وَالْفَاسِقَ ظَالِمٌ لِقَوْلِهِ:
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الْحُجُرَاتِ: ١١] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُعْفَى عَنْهُ، بَلْ يُعَذَّبُ لَا مَحَالَةَ وَالْجَوَابُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَلِمَةَ (مَنْ) فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلْعُمُومِ وَلَكِنْ قَطْعًا أَمْ ظَاهِرًا؟ وَدَعْوَى الْقَطْعِ مَمْنُوعَةٌ، فَإِنَّا نَرَى فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ الْمَشْهُورِ اسْتِعْمَالَ صِيَغِ الْعُمُومِ، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَكْثَرُ، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَقْوَامٌ مُعَيَّنُونَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الْبَقَرَةِ: ٦] ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ آمَنُوا فَلَا دَافِعَ لَهُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ الْعُمُومَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْغَالِبُ أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَقْوَامٌ مَخْصُوصُونَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ثَبَتَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي الْأَغْلَبِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ دَلَالَةُ هَذِهِ الصِّيَغِ عَلَى الْعُمُومِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً لَا قَاطِعَةً، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي تَجْوِيزَ الْعَفْوِ. سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ قَطْعًا، وَلَكِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ، وَعِنْدَ هَذَا نَقُولُ هَذَا مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ؟ فَإِنَّ الْعَفْوَ عِنْدَنَا أَحَدُ الْأُمُورِ الَّتِي تُزِيلُهُ، وَذَلِكَ هُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ أَوَّلَ المسألة سَلَّمْنَا/ دَلَالَتَهُ عَلَى مَا قَالَ، وَلَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِآيَاتِ الْوَعْدِ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الْكَهْفِ: ١٠٧] فَإِنْ قِيلَ آيَاتُ الْوَعِيدِ أَوْلَى لِأَنَّ السَّارِقَ يُقْطَعُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ لَا يَجُوزُ قَطْعُ يَدِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ ثَبَتَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ أَحْبَطُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الِاسْتِحْقَاقَيْنِ مُحَالٌ. قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّارِقَ يُقْطَعُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَابَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْمِحْنَةِ، نَزَلْنَا عَنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ إِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مُعَيَّنِينَ فَهَبْ أَنَّهُ لَا يَعْفُو عَنْهُمْ فَلِمَ قُلْتَ إِنَّهُ لَا يَعْفُو عَنْ غَيْرِهِمْ؟
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلُهُمْ: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الْفُرْقَانِ:
٧] بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ مِنَ اللَّه فِي كُلِّ رُسُلِهِ فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الطَّعْنِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: أَلَا أَنَّهُمْ بِفَتْحِ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ وَالْمَكْسُورَةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالِابْتِدَاءِ، فَلِأَجْلِ هَذَا ذَكَرُوا وُجُوهًا: أَحَدُهَا: قَالَ الزَّجَّاجُ: الْجُمْلَةُ بَعْدَ (إِلَّا) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمَعْنَى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ أَحَدًا مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا آكِلِينَ وَمَاشِينَ، وَإِنَّمَا حُذِفَ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: مِنَ الْمُرْسَلِينَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصَّافَّاتِ: ١٦٤] عَلَى مَعْنَى وَمَا مِنَّا أَحَدٌ وَثَانِيهَا: قَالَ الْفَرَّاءُ إِنَّهُ صِلَةٌ لِاسْمٍ مَتْرُوكٍ اكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْمُرْسَلِينَ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى إِلَّا مَنْ أَنَّهُمْ كَقَوْلِهِ: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ أَيْ مَنْ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مَرْيَمَ: ٧١] أَيْ إِلَّا مَنْ يَرِدُهَا فَعَلَى قول

(١) في الكشاف (مصدر يظلم) ٣/ ٨٧.

صفحة رقم 445

الزَّجَّاجِ: الْمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ: الْمَوْصُولُ هُوَ الْمَحْذُوفُ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْمَوْصُولِ وَتَبْقِيَةُ الصِّلَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: تُكْسَرُ إِنَّ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِضْمَارِ وَاوٍ عَلَى تقدير إلا وإنهم ورابعها: قَالَ بَعْضُهُمُ الْمَعْنَى إِلَّا قِيلَ إِنَّهُمْ.
المسألة الثَّالِثَةُ: قُرِئَ يُمَشَّوْنَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ تمشيهم حَوَائِجُهُمْ أَوِ النَّاسُ، وَلَوْ قُرِئَ يَمْشُونَ لَكَانَ أَوْجَهَ لَوْلَا الرِّوَايَةُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا فِي رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَفُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا رَأَى الشَّرِيفُ الْوَضِيعَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَنِفَ أَنْ يُسْلِمَ فَأَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلْوَضِيعِ السَّابِقَةُ وَالْفَضْلُ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ كانَ خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ [الْأَحْقَافِ: ١١] وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ،
رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنَ الْجَاهِلِ، وَوَيْلٌ لِلسُّلْطَانِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وَوَيْلٌ لِلرَّعِيَّةِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَوَيْلٌ لِلْمَالِكِ مِنَ/ الْمَمْلُوكِ، وَوَيْلٌ لِلشَّدِيدِ مِنَ الضَّعِيفِ، وَلِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ» وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ
وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا فِي أَصْحَابِ الْبَلَاءِ وَالْعَافِيَةِ، هَذَا يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ مِثْلَهُ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَفِي الْعَقْلِ وَفِي الْعِلْمِ وَفِي الرِّزْقِ وَفِي الْأَجَلِ؟ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَرَابِعُهَا: هَذَا احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ فِي تَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ إِيَّاهُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ وَصِفَاتِهَا، فَابْتَلَى الْمُرْسَلِينَ بِالْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ وَأَنْوَاعِ أَذَاهُمْ عَلَى مَا قَالَ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٦] وَالْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ يَتَأَذَّوْنَ أَيْضًا مِنَ الْمُرْسَلِ بِسَبَبِ الْحَسَدِ وَصَيْرُورَتِهِ مُكَلَّفًا بِالْخِدْمَةِ وَبَذْلِ النَّفْسِ وَالْمَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ رَئِيسًا مَخْدُومًا، وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الْكُلِّ لِأَنَّ بَيْنَ الْجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً قَالَ الْجُبَّائِيُّ هَذَا الْجَعْلُ هُوَ بِمَعْنَى التَّعْرِيفِ كَمَا يُقَالُ فِيمَنْ سَرَقَ، إِنَّ فُلَانًا لِصٌّ جَعَلَهُ لِصًّا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الْجَعْلَ إِلَى وَصْفِ كَوْنِهِ فِتْنَةً لَا إِلَى الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، بَلِ الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ فَاعِلَ السَّبَبِ فَاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ، فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى مِزَاجِ الصَّفْرَاءِ وَالْحَرَارَةِ وَخُلُقِ الْغَضَبِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ الْإِدْرَاكَ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُغْضِبِ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا الْمَجْمُوعَ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِلْغَضَبِ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَسَدِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْبَعْضَ فِتْنَةً لِلْبَعْضِ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مَا قَالَهُ الْجُبَّائِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَعْلِ هُوَ الْحُكْمُ وَلَكِنَّ الْمَجْعُولَ إِنِ انْقَلَبَ لَزِمَ انْقِلَابُهُ انْقِلَابَ حُكْمِ اللَّه تَعَالَى مِنَ الصِّدْقِ إِلَى الْكَذِبِ وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَانْقِلَابُ ذَلِكَ الْجَعْلِ مُحَالٌ، فَانْقِلَابُ الْمَجْعُولِ أَيْضًا مُحَالٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ الْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: الوجه فِي تعلق هذه الآية بما قلبها أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا طَعَنُوا فِي الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَبِأَنَّهُ فَقِيرٌ كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ جَارِيَةً مَجْرَى الْخُرَافَاتِ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَثَرٌ فِي الْقَدْحِ فِيهَا، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَذَّى مِنْهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ كَانُوا يَشْتُمُونَهُ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ الْكَلَامَ الْمُعْوَجَّ الْفَاسِدَ وَمَا كَانُوا يَفْهَمُونَ الْجَوَابَ الْجَيِّدَ، فَلَا جَرَمَ صَبَّرَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى كُلِّ تِلْكَ الْأَذِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَلْقَ بَعْضَهُمْ فِتْنَةً لِلْبَعْضِ.

صفحة رقم 446

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية