ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا [ الفرقان : ٢٠ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر مقالتهم التي طعنوا فيها رسوله بقولهم : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق زاعمين أن هذا مما لا ينبغي للرسول أن يفعل مثله، أردف ذلك الاحتجاج عليهم بأن محمدا ليس بدعا في الرسل، فكلهم كانوا يفعلون فعله.
وفي هذا تسلية للرسول ( ص ) وتصبير له على أذاهم.
ثم بين أن سنته أن يبتلي بعض الناس ببعض، فيبتلي الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم، فيناصبوهم العداء ويردوهم، ليعلم أيهم يصبر وأيهم يجزع ؟ وهو البصير بحال الصابرين وحال الجازعين.
الإيضاح :
وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي إن جميع من سبقك من الرسل كانوا يأكلون الطعام للتغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، ولم يقل أحد إن ذلك نقص لهم يغض من كرامتهم ويزري بهم، ولم يكن لهم امتياز عن سواهم في هذا، وإنما امتازوا بصفاتهم الفاضلة، وخصائصهم السامية، وآدابهم العالية، وبما ظهر على أيديهم من خوارق العادات، وباهر المعجزات، مما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة نافذة على صدق ما جاؤوا به من عند ربهم، فمحمد ( ص ) ليس بدعا من الرسل، إذ يأكل ويمشي في الأسواق، وليس هذا بذم ولا مطعن في صدق رسالته كما تزعمون.
ونحو الآية قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [ يوسف : ١٠٩ ] وقوله : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام [ الأنبياء : ٨ ]
ثم سلى رسوله على قولهم : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتبصرون أي وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض، فجعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة، وهذا ملكا وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيرا وحرمناه من لذات الحياة ونعيمها، لنختبر الفقير بصبره على ما حرم ما أعطيه الغني، والملك بصبره على ما أوتيه الرسل من الكرامة، وكيف يكون رضى كل منهم بما أعطى وقسم له، وطاعته ربه على حرمانه مما أعطى سواه، ومن جراء هذا لم أعط محمدا الدنيا وجعلته يمشي في الأسواق يطلب المعاش، لأبتليكم وأختبر طاعتكم إياه إلى ما دعاكم إليه وهو لم يرج منكم عرضا من أعراض الدنيا، ولو أعطيتها إياه لسارع كثير منكم إلى اتباعه، طمعا في أن ينال شيء من دنياه.
والخلاصة : لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي حتى لا يخالفوا لفعلت، لكني أردت أن أبتلي العباد بهم، وأبتليهم بالعباد، فينالهم منهم الأذى، ويناصبوهم العداء، فاصبروا على البلاء، فقد علمتم ما وعد الله به الصابرين.
وكان ربك بصيرا أي وربك أيها الرسول بصير بمن يجزع، وبمن يصبر على ما امتحن به من المحن، ويجازي كلا بما يستحق من عقاب أو ثواب.
روى مسلم أن النبي ( ص ) قال :" انظر إلى أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هم فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ".
اللهم اجعلنا من الصابرين على أذى السفهاء، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وارزقنا من لدنك قناعة وغنى نربأ بهما عما في أيدي الناس، وثبت أقدامنا في فهم كتابك، وبلغنا ما نرجوه من إرشاد عبادك بما نقدم لهم من نور يهتدون به إلى صراطك المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وصل ربنا على محمد وآله.
ثم تفسير هذا الجزء بحلوان من أرباض القاهرة قاعدة الديار المصرية، لثلاث خلون من صفر سنة أربع وستين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية، ولله الحمد أولا وآخرا.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير