ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

بشرية الرسل
[سورة الفرقان (٢٥) : آية ٢٠]
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)
البلاغة:
أَرْسَلْنا الْمُرْسَلِينَ جناس اشتقاق.
تَصْبِرُونَ بَصِيراً جناس ناقص، لتقديم بعض الحروف، وتأخير بعضها.
المفردات اللغوية:
إِلَّا إِنَّهُمْ أي إلا رسلا إنهم، فحذف الموصوف لدلالة الْمُرْسَلِينَ عليه، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات ٣٧/ ١٦٤]. وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ أي فأنت مثلهم في ذلك، وقد قيل لهم مثل ما قيل لك.
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي وجعلنا بعضكم أيها الناس لبعض ابتلاء، ومن ذلك ابتلاء الغني بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع، لمعرفة مدى قيامه بواجبه نحوه أو إيذاء أحدهم لغيره. وفيه تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم على ما قاله المشركون في حقه، بعد نقضه والرد عليه، وفيه دليل على القضاء والقدر لأنه تعالى هو الذي جعل البعض فتنة للبعض.
أَتَصْبِرُونَ على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم؟ وهو استفهام بمعنى الأمر، بمعنى: اصبروا، كقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة ٥/ ٩١] أي انتهوا، فهو حث على الصبر على الابتداء وأمر به للنبي صلّى الله عليه وسلم وغيره، أو علة لقوله: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ.. والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، لنعلم أيكم يصبر، كقوله تعالى: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف ١٨/ ٧]. وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي عالما بمن يصبر وبمن يجزع.
سبب النزول:
أخرج الواحدي وابن جرير عن ابن عباس قال: لما عيّر المشركون رسول الله

صفحة رقم 38

صلّى الله عليه وسلم بالفاقة، وقالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ حزن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنزل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ.
المناسبة:
هذه الآية إذن جواب عن قول المشركين: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ. فيها أبان الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله، فلا وجه للطعن.
التفسير والبيان:
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ أي إن جميع الرسل المتقدمين كانوا بشرا يأكلون الطعام، للتغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك منافيا لحالهم ومنصبهم، أو يغضّ من شأنهم، وإنما امتيازهم في اتصافهم بالأخلاق الفاضلة، وقيامهم بالأعمال الكاملة، وتأييدهم بخوارق العادات أو بالمعجزات التي تدل كل عاقل على صدق رسالتهم وما جاؤوا به من عند ربهم، ومحمد صلّى الله عليه وسلم كغيره من الرسل في هذا.
ونظير الآية قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [يوسف ١٢/ ١٠٩] وقوله: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الأنبياء ٢١/ ٨].
والمعنى: أن الرسول يكون من جنس المرسل إليهم، وليس الفقر عيبا، وليس العمل منقصا من قدر الشخص واعتباره، وإنما قيم الرجال بالآداب والأعمال.
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم

صفحة رقم 39

ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، فالناس طبقات في الغنى والفقر، والعلم والجهل، والفهم والغباء، والصحة والمرض، وصاحب النعمة مسئول عمن حرم منها، والله قادر على منح الدنيا رسله الكرام، ولكنه أراد تساميهم عن الدنيا، وحشد طاقاتهم وأعمالهم للآخرة، ليقتدى بهم، كما أراد سبحانه ابتلاء العباد بهم وابتلاءهم بالعباد، ليعرف المطيع من العاصي، والمسالم من المؤذي.
أَتَصْبِرُونَ، وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي اصبروا على ما أراده الله لكم، وكان ربك أيها الرسول بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع، وبمن يستقيم وبمن يتنكر لطريق الحق، فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.
روى أبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية، أسنده الثعلبي رحمه الله تعالى.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: إني مبتليك ومبتلي بك»
وفي مسند أحمد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة».
وفي صحيح البخاري أنه صلّى الله عليه وسلم خيّر بين أن يكون نبيا ملكا، أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا.
وقال مقاتل: إن الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمارا، وبلالا، وصهيبا، وسالما مولى أبي حذيفة، قالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟! فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين:
أَتَصْبِرُونَ؟ أي على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر والجهد

صفحة رقم 40

والإيذاء، كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أي اختبارا لهم. ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا «١» [المؤمنون ٢٣/ ١١١].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن الرسل عليهم السلام كباقي البشر فيما عدا إنزال الوحي عليهم، وتخلقهم بالأخلاق العالية، وقيامهم بالأعمال الطيبة بدرجة تفوق غيرهم، فهم يأكلون ويشربون ويتاجرون في الأسواق.
والآية أصل في وجوب اتخاذ الأسباب، وإباحة طلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن في غير موضع.
ودل قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً على أن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض الناس امتحانا واختبارا لبعض على العموم الذي يشمل كل مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه، فعلى الغني مواساة الفقير وألا يسخر منه، وعلى الفقير ألا يحسد الغني ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق.
والله سبحانه يأمر بالصبر على كل حال، حتى لا يهتز إيمان أحد، ويفوض الأمر في كل شيء إلى الله تعالى.
والله تعالى بصير بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع، ومن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدّي.

(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ١٨- ١٩

صفحة رقم 41

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية