منزلة الرسالة العلية والضروريات البشرية
" وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ".
( سورة الفرقان الآية ٢٠ )
المناسبة :
لما طعنوا في رسالته، بأنه بشر يفعل ما يفعله البشر بقولهم :" مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق "، رد الله عليهم بأن هذا هو حال جميع المرسلين من قبله، واحتج عليهم بما يعلمون من ذلك بما يسمعون من أهل الكتاب جيرانهم، وبما عندهم من أخبار عاد وثمود من بني جلدتهم.
المفردات :
( الإرسال ) هو البعث لتبليغ شيء أو قضائه و في لسان الشرع : هو إنزال الله تعالى الوحي على من اصطفاه من خلقه لينذر به من أمره بإنذاره. من قوله : تعالى :" و إنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ". فالرسالة وحي مع أمر بالتبليغ.
التراكيب :
مفعول أرسلنا محذوف تقديره رجالا، وعليه عاد الضمير في أنهم. وهو صاحب الحال، والحال هي الجملة التي بعد إلا، والجملة الثانية١حال بالعطف على الأولى. والاستثناء مفرغ من الأحوال.
وتقدير الكلام : وما أرسلنا قبلك رجالا من المرسلين إلا حالة أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق : أي ما أرسلناهم في حالة من الأحوال إلا في هذه الحال.
و إن واللام والحصر بما و إلا، كل هذه لتأكيد المعنى الذي سيق إليه الكلام، و هو إثبات أن رسول البشر لا يكون إلا بشرا ردا على منكري ذلك المشركين.
وعبر بالمضارع في يأكلون ويمشون ؛ لأنهما من ضروريات بشريتهم، فهو يتجدد ويتكرر منهم.
وأكل الطعام والمشي في الأسواق كناية عن البشرية، لأنهما وصفان لازمان لها.
المعنى :
وما ينكر عليك هؤلاء من أكلك الطعام، ومشيك في الأسواق، مع أنك رسول الله !وقد علموا أنه ما من رسول كان قبلك إلا وهذه حالته، وما أنت إلا واحد منهم، غلا عيب عليك في ذلك، و لا حجة لهم عليك به.
تاريخ :
شنشنة معروفة
هذه المقالة شنشنة قديمة من الأمم التي أرسلت إليها الرسل، فقبلتها بالجهل والعناد.
فقد قال لنوح قومه :" ما نراك إلا بشرا مثلنا "
وقال لهود قومه :" ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ".
ولصالح :" ما أنت إلا بشر مثلنا ".
و لشعيب :" وما أنت إلا بشر مثلنا ".
و لموسى وهارون :" أنؤمن لبشرين مثلنا "
و عن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم أنهم قالوا لرسلهم " إن أنتم إلا بشر مثلنا "
فقال المشركون للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ما قاله أمثالهم لإخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
تعديل :
و سوء نظر وغباوة
ما اعترض المعترضون على الرسل ببشريتهم إلا من جهلهم، وسوء نظرهم، وغباوتهم.
١ – أما جهلهم : فقد جهلوا ما في البشرية من استعداد لنيل أرقى الكمالات.
وجهلوا ما تقتضيه الرسالة من مشاكله بين الرسول والمرسل إليهم لتحصل المفاهمة والاتصال.
و جهلوا ما يؤهل به البشر لرتبة الرسالة من كمال في الروح، والعقل، والأخلاق، والسلوك، مما كان الرسل متصفين به كله أمام أعين أقوامهم.
٢- وأما سوء نظرهم :
فإنهم نظروا إلى بشرية الرسل فقاسوهم بهم، وقالوا لهم : أنتم مثلنا، مع وجود الفارق الواضح بينهم وبين الرسل في الصفات النفسية التي بها كمال الإنسان !
٣_ وأما غباوتهم : فإنهم لغلبة الجسمانيات على حسهم وإهمالهم استعمال عقولهم، لم يتفطنوا للكمال المشاهد الذي امتاز به الرسل بين أقوامهم
تعليم :
هذه العلل التي صدر اعتراض المعترضين عنها، قد علمنا الله تعالى في كتابه العزيز ما يعصمنا منها :
١ – فعلمنا : أن الإنسان مستعد لأن تخضع له العوالم بما فيه من روح الله. ٢
وأنه يلتحق بعالم الملائكة الأطهار، بتلك الروح عندما تكون على أصل طهرها وقدسها.
علمنا هذا بقوله تعالى :" فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " فأخضع له ملائكته أشرف العوالم.
وبقوله تعالى :" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم " فاتصل بهم، وخاطبهم، وعلمهم.
فلا عجب أن يأتي المماثلون له من أبنائه في طهره وعصمته على سنته في الاتصال بالملائكة، ومخاطبتهم.
٢- وعلمنا : أن الرسول لا يكون إلا من جنس المرسل إليهم، ليحصل الاتصال، و يمكن التلقي. وأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لأرسل لهم ملك، و أنهم لو أنزل عليهم بشر لكسى حلة البشرية و لا لتلبس عليهم أمره، و لقالوا فيه مثل ما قالوا في المرسلين من البشر.
علمنا هذا بقوله تعالى :" قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ".
و بقوله تعالى :
" ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسناه عليهم ما يلبسون ".
٣- وعلمنا : أن البشر يؤهل للرسالة باصطفاء الله له، و من مقتضى ذلك الاصطفاء تطهيره من أول نشأته من أوضار البشرية، وظلم الجسمانية وتسفلها فتبقى روحه على غاية الطهر، والعلوية النورانية مستعدة للاتصال بالملأ الأعلى، حتى تستكمل قواها فيأتيها الملك بالوحي.
علمنا هذا بمثل قوله تعالى :" الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ".
وقوله تعالى :" وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ".
وقوله تعالى :" الله أعلم حيث يجعل رسالته " وغيره كثير٣.
البشر والرسل
٤- وعلمنا : أن الرسل و إن كانوا موافقين لنا الخلقة البشرية..
فإنهم مباينون لنا غاية المباينة في الخلقة النفسية، من حيث الطهر والكمال :
فنفوسهم بقيت على طهرها لم تدنس بشيء، ونفوسنا لا تخلوا من تدنس، والموفق من داوم على غسلها بالتوبة وتحليتها بالصالحات.
وكمالهم فطري، ويبلغون فيه- بعملهم المتواصل، وعصمتهم الربانية – إلى الغايات التي لا تنال، وكمالنا ليس كذلك في الأمور الثلاثة : الفطرة، والعمل المتواصل، والعصمة.
علمنا هذه بقوله تعالى :" إن نحن إلا بشرا مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ".
فبالنظر الصحيح فيما من الله تعالى عليهم به، ندرك أنهم ليسوا مثلنا، وإن ساوونا في الخلقة البشرية.
٥ – وعلمنا : ألا ننظر إلى ظواهر الأمور دون بواطنها، و إلى الجسمانيات الحسية دون ما وراءها من معان عقلية، بل نعبر من الظواهر إلى البواطن، وننظر من المحسوس إلى المعقول. ونجعل حواسنا خادمة لعقولنا، ونجعل عقولنا هي المتصرفة الحاكمة بالنظر والتفكير٤.
علمنا هذا بقوله تعلى :" لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث " فلا ينظر إلى بهرجة الكثرة، ولكن إلى حقيقة وحالة الشيء الكثير فيعتبر بحسبهما.
النظرة إلى الغنى والفقر
وبقوله :" فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، كلا " فلا يجوز أن نغتر بالمال، والقوة، والجاه، وأنواع النعيم إذا سيقت إلينا فنحسب أنها هي نفس الكرامة الربانية التي دعينا إلى العمل لنيلها، بل إنما نعدها كذلك إذا كان معها التوفيق إلى شكرها بالقيام بحقوقها، وصرفها في وجوهها.
ولا نغتر بحالة الضيق، والعسر، والضعف فنحسب أنها إهانة من الله لصاحبها. بل علينا أن ننظر إلى ما معها من صبر ورجاء وبر، أو ضجر ويأس وفجور.. فنعلم حينئذ أنها مع الأولى للتمحيص والتثبت، ومع الأخيرة للزجر والعقاب بعدل وحكمة من أحكم الحاكمين.
وبقوله تعالى :" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ".
فعلمنا أنه بشر، ولكنه خصص بالوحي إليه بتوحيد الله، وبما يقتضيه مقام الإيحاء إليه من طهر وكمال، حتى لا يحجب عنا بشريته التي نشاهدها بأبصارنا كمال حاله ومنزلته الذي ندركه ببصائرنا.
عقيدة :
من هو الرسول :
الرسول إنسان ذو روح طاهرة نورانية علوية ؛ بها تأتى له تلقي الوحي من الملائكة.
وذو جسد بشري عليه ضروريات البشرية الخلقية دون نقائصها الكسبية، لأنه مصرف بتلك الروح العلوية الطاهرة التي لا يصدر عنها إلا الخير، وبهذا الجسد البشري تأتى للبشر الأخذ عنه والإقتداء به.
ومأخذ هذه العقيدة من الآيات التي تلوناها في فصل التعليم المتقدم.
تحذير :
خطا النظر السطحي
علينا أن نحذر من أن نعترض أو نحكم بالأنظار السطحية، دون بحث عن الحقائق، أو أن نلحق شيء بشيء دون أن نتحقق انتفاء جميع الفوارق، فقد انتشرت بعدم الحذر من هذين الأمرين جهالات، وارتكبت ضلالات.
وبالنظر السطحي ازدرى إبليس آدم فامتنع من السجود له واعترض على خالقه، فكانت عليه اللعنة إلى يوم الدين.
وبعد النظر إلى الفوارق، قال أحد ابني آدم لأخيه لما قبل قربانه دونه هو :" لأقتلنك "، حتى ذكره أخوه بوجود الفارق فقال :" إنما يتقبل الله من المتقين ".
حقيقة الأول ترجع إلى الجهل المركب٥. وحقيقة الثاني ترجع إلى القياس الفاسد٦، وهما أعظم أصول الفساد والضلال.
سلوك :
الأنبياء والمرسلون أكمل النوع الإنساني، وهم المثل الأعلى في كماله وقد كان أصل كمالهم بطهر أرواحهم و كمالها ؛ فاقبل على روحك بالتزكية والتطهير، والترقية والتكميل، و لا سبيل إلى ذلك إلا بالإقتداء بهم، والاهتداء بهديهم.
وقد قال الله تعالى لنبينا – عليه وعليهم الصلاة والسلام :" أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ".
فاقرأ ما قصة القرآن العظيم من أقوالهم وأعمالهم، وأحوالهم وسيرهم، وتفقه فيه، وتمسك به، تكن إن شاء الله – تعالى – من الكاملين.
فتنة العباد بعضهم لبعض
" وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ؟ وكان ربك بصيرا "
وجه الارتباط
أفاد ما تقدم منت الآية، أن الرسل يأكلون الطعام فيحتاجون للغذاء وتحصيله. وأنهم يمشون في الأسواق للسعي والتكسب، و أفاد آخر الآية الحكمة الربانية في ذلك ؛ وهي أن يكون بذلك فتنة واختبارا للعباد، وتلك سنة الله تعالى في خلقه : فقد جعل بعضهم لبعض فتنة.
المفردات
قال في " لسان العرب " للأزهري وغيره : جماع معنى ( الفتنة ) الابتلاء، والامتحان، والاختبار. وأصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد ا ه ومنه قوله تعالى :" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون " وقوله :" إنما أموالكم وأولادكم فتنة ". وقوله :" وفتناك فتونا ". وقوله :" و نبلوكم بالشر والخير فتنة ".
( أتصبرون ) الصبر حبس النفس على المكروه. والمكروه لها فعل ما فيه تعب، و ترك ما فيه لذة. ويكون في المشروع والمقدور. ففي الأول بالقيام بالمأمورات، والترك للمنهيات. وفي الثاني بالرضا والتسليم في المصائب والبلايا للخالق، وعدم الاعتراض عليه، وعدم السعي في إزالتها بغير الوجه المأذون فيه.
و ( البصير ) هو المشاهد للأشياء ظاهرها وباطنها، ذواتها ونعوتها وأحوالها ؛ مباديها وغاياتها وعواقبها.
التراكيب
الاستفهام في ( أتصبرون ) بمعنى الأمر أي اصبروا وخرج الأمر في صورة الاستفهام تنبيها على قلة البصر في الوجود. فهو من الأمر المعدوم الذي يسأل عنه : هل يوجد ؟ وفي ذلك بعث للهمم على تحصيله والتمسك به.
وجملة ( وكان ) الخ معطوفة على جملة ( وجعلنا )، وعدل عن مقتضى الظاهر وهو وكنا بصراء بالإضمار إلى ( وكان ربك بصيرا ) بالإظهار، للتنبيه على أن فتنته لعباده من مقتضى ربوبيته لهم، وحسن تدبيره فيهم. وموقع هذه الجملة بعد الجملة الأولى لبيان أن فتنته لهم هي من علم وبصر بصواب ذلك وحكمته. و ا
٢ فروحانية الإنسان إذا فا وسما، ترفعه فوق الثريا. وظلما نيته تحطه في دركات السوائم أو أقل منها. " أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا"..
٣ تعود الإمام الإكثار من الشواهد القرآنية ليقنع قلوب السامعين وللآن تجد العامي في شمال المغرب لا يقنع إلا بالدليل، ويسره تخريج الحديث، ولو كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، أو كان أميا في دينه..
٤ وهذا هو طور الرشد البشري والكمال الإنساني، حين تشب عن الطفولة البشرية، وكم من أناس يعيشون طويلا، ثم يموتون وهم في طفولتهم البشرية..
٥ النظر السطحي..
٦ عدم دقة النظر..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي