ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

قوله : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً الحبل -في الأصل- هو : السبب، وكل ما وصلك إلى شيء فهو حبل، وأصله في الأجرام واستعماله في المعانِي من باب المجاز. ويجوز أن يكون - حينئذٍ - من باب الاستعارة، ويجوز أن يكون من باب التمثيل، ومن كلام الأنصار رضي الله عنهم : يا رسولَ الله، إنَّ بيننا وبَيْنَ القوم حبالاً ونحن قاطعوها - يعْنُون العهود والحِلْف.
قال الأعشى :[ الكامل ]

وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا١
يعني العهود.
قيل : والسبب فيه أن الرجل كان إذا سافر خاف، فيأخذ من القبيلة عَهداً إلى الأخرى، ويُعْطَى سَهْماً وحَبْلاً، ويكون معه كالعلامة، فسُمِّيَ العهدُ حَبْلاً لذلك، وهذا المعنى غير طائل، بل سُمِّي العهد حبلاً للتوصُّل به إلى الغرض.
وقال آخر :[ الكامل ]
مَا زِلْتُ مُعْتَصِماً بِحَبْلٍ مِنْكُمُ مَنْ حَلَّ سَاحَتَكُمْ بِأسْبَابٍ نَجَا٢
قال القرطبي : العِصْمة : المَنَعَة، ومنه يقال للبَذْرَقة : عصمة، والبذرقة : الخفارة للقافلة، وهو من يُرسَلُ معها يحميها ممن يؤذيها، قال ابنُ خالويه :" البذرقة ليست بعربيةٍ، وإنَّما هي كلمة فارسية عرَّبتها العرب، يقال : بعث السلطان بَذْرَقَةً مع القافلة ". والحبل لفظ مشترك، وأصله - في اللغة : السبب الذي يُوصل به إلى البغية والحاجة، والحبل : المستطيل من الرمل، ومنه الحديث :" واللهَ مَا تَرَكَتُ مِنْ حَبْلٍ إلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْه، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ".
؟ والحبل : الرَّسَن، والحبل : الداهية.
قال كثير :[ الطويل ]
فَلاَ تَعْجَلِي يَا عَزَّ أنْ تتفهمي بنُصْحٍ أتَى الوَاشُونَ أمْ بِحُبُولٍ٣
والحبالة : حبالة الصائد، وكلها ليس مراداً في الآية إلا الذي بمعنى العَهْد.
والمراد بالحبل - هنا - : القرآن ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم - في الحديث الطويل - :" هو حَبْلُ الله المتين ".
وقال ابن عباس : هو العهد المذكور في قوله : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : ٤٠ ] لقوله تعالى : إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ [ آل عمران : ١١٢ ] أي : بعهد، وسُمِّيَ العَهْدُ حبلاً لما تقدم من إزالة الخوف.
وقيل : دين الله.
وقيل : طاعة الله، وقيل : هو الإخلاص.
وقيل : الجماعة ؛ لأنه عقبه بقوله : وَلاَ تَفَرَّقُوا .
وتحقيقه : أن النازل في البئر لما كان يعتصم بالحبل، تحرُّزاً من السقوط فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته، وموافقة جماعة المؤمنين حِرزاً لصاحبه من السقوط في جهنم - جعل ذلك حبلاً لله، وأمروا بالاعتصام به.
وقوله : جَمِيعًا أي : مجتمعين عليه، فهو حال من الفاعل.
قوله : وَلاَ تَفَرَّقُوا قراءة البَزِّيِّ بتشديد التاء وصلاً وقد تقدم توجيهه في البقرة عند قوله " ولا تيمموا٤ " والباقون بتخفيفها على الحذف ٥.

فصل


في التأويل وجوه :
الأول : أنه نَهْي عن الاختلاف في الدين ؛ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما عداه جهلٌ وضلال، قال تعالى : فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ
[ يونس : ٣٢ ].
الثاني : أنه نَهْي عن المعاداةِ والمخاصمةِ ؛ فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على ذلك، فنهوا عنه.
الثالث : أنه نَهْي عما يوجب الفُرقة، ويزيل الألفة، قال صلى الله عليه وسلم " " سَتَفْتَرِقُ أمَّتِي عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً الناجِي مِنْهُمْ وَاحِدَةٌ " قيل : ومن هي يا رسول الله ؟ قال :" الجَمَاعَةَ ".
وروي :" السواد الأعظم ".
ويروى :" مَا أنَا عَلَيْهِ وَأصْحَابِي ".
واعلم أن النهْيَ عن الاختلاف، والأمر بالاتفاق، يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً.

فصل


استدلت نفاة القياس٦ بهذه الآية، فقالوا : الأحكام الشرعية إما أن يقال : إن الله سبحانه - نصب عليها دلائل يقينية، أو ظنية، فإن كانت يقينية فلا يكتفى فيها بالقياس الذي يفيد الظن ؛ لأن الدليل لا يكتفى به في موضع اليقين، وإن كانت ظنيّة أدى الرجوع إليها إلى الاختلاف والنزاع وقد نهى الله عنه بقوله : وَلاَ تَفَرَّقُوا [ آل عمران : ١٠٣ ] وقوله : وَلاَ تَنَازَعُواْ [ الأنفال : ٤٦ ].
والجواب بأن هذا العموم مخصوص بالأدلة الدالة على العمل بالقياس.
قال القرطبي : وليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الفروع ؛ فإن ذلك ليس اختلافاً ؛ إذ الاختلاف يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد، فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم - مع ذلك - متآلفون وقال صلى الله عليه وسلم :
اخْتِلاَفُ أمَّتِي رَحْمَةٌ٧ " وإنما منع الله الاختلاف الذي هو سبب الفساد، قال صلى الله عليه وسلم :" تَفَرَّقَت اليَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً - أوْ اثنتين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً - وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أمَّتِي ثلاثاً وسبعين فرْقَةً٨ " قوله : وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ .
نِعْمَتَ اللَّهِ مصدر مضاف لفاعله ؛ إذ هو المُنْعِم، عَلَيْكُمْ ، ويجوز أن يكون متعلقاً بنفس نِعْمَتَ ؛ لأن هذه المادةَ تتعدى ب " على " قال تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [ الأحزاب : ٣٧ ].
ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من " نِعْمَةَ "، فيتعلق بمحذوف، أي : مستقرة، وكائنة عليكم.
قوله : إِذْ كُنْتُمْ " إذْ " منصوبة - ب " نِعْمَةَ " ظرفاً لها ويجوز أن يكون متعلِّقاً بالاستقرار الذي تضمنه عَلَيْكُمْ إذا قلنا : إن " عَلَيْكُمْ " حال من النعمة، وأما إذا علقنا " عَلَيْكُمْ " ب " نِعْمَةَ " تعيَّن الوجه الأول.
وجوز الحوفي أن يكون منصوباً ب " اذْكُروا " يعني : مفعولاً به، لا أنه ظرف له ؛ لفساد المعنى ؛ إذْ " اذْكُرُوا " مستقبل، و " إذْ " ماضٍ.

فصل


كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ .
قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار : كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأمٍّ، فوقعت بينهما عداوةٌ - بسبب قتيل - فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم مائة وعشرين سنة، إلى أن أطفأ الله تعالى، ذلك بالإسلام، وألَّف بينهم برسوله - عليه السلام - وكان سبب ألفتهِمْ أن سويدَ بن الصامت - أخا بني عمرو بن عوف - كان شريفاً، تُسمِّيه قومه : الكامل، لجلده ونسبه، قدم " مكة " حاجًّا أو معتمراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُعِثَ وأمِرَ بالدعوة، فتصدَّى له حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سُوَيْدٌ : فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَمَا الَّذِي مَعَكَ ؟ قال : حِكْمَةُ لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أعْرِضْهَا عَلِيَّ٩ " فعرضها عليه، فقال : إنَّ هذا الكلام حَسَنٌ معي أفْضَلُ مِنْ هَذَا - قُرْآنٌ أنْزَلَهُ اللهُ عَلَيَّ نُوراً وهُدًى، فَتَلاَ عليهِ القرآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الإسْلام، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وقال : إنَّ هَذَا القولَ أحْسَنُ، ثُمَّ انْصرَفَ إلى المدينةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ قَتَلَهُ الخَزْرَجُ يَوْمَ بُعَاث ؛ فإن قومه يقولون : قد قتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيسر أنس بن رافع معه فتية من بني الأشهل - فيهم إياس بن معاذ - يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فلما سمع بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أتاهم، فجلس إليهم، فقال : هَلْ لَكُمْ إلَى خير مما جِئْتُمْ لَهُ ؟ قالوا : ومَا ذَاكَ ؟ قال : أنَا رَسُولُ اللهِ بَعَثَنِيَ اللهُ إلى العِبَادِ، أدْعُوهُمْ إلى ألاَّ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وأنْزَلَ عَليَّ الكِتَابَ، ثُمَّ ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً : أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الجيسر حَفنَةً من البطحاء، فضرب بها وجه إياس١٠، وقال : دَعْنا منك ؛ فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ثم انصرفوا إلى " المدينة "، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك فلما أراد الله - عز وجل - إظْهارَ دينهِ، وإعزازَ نبيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، يعرض نفسه على قبائل العرب - كما كان يصنع في كل موسم - فلقي عند العقبة رَهْطاً من الخزرج - أراد الله بهم خيراً - وهم أسعد بن زرارة، وعوف ابن الحارث - وهو ابن عفراء - ورافع بن مالك العجلاني وقطبة بن عامر بن خريدة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أنْتُمْ ؟ قالوا : نفر من الخزرج فقال : أمِنْ مَوَالِي يَهُود ؟ قالوا : نعم، قال أفَلاَ تَجْلُسوا حَتَّى أكلِّمَكُمْ ؟ قالوا : بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أنّ يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعِلْم، وهم كانوا أهل أوثان وشِرْك، وكانوا - إذا كان بينهم شيء - يقولون : إن نبيًّا الآن مبعوثاً قد أظَلَّ زمانه نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرمَ، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض : يا قوم، تعلمون - والله - أنه النبي الذي توعَّدَكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه، وأسلموا، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العَدَاوةِ والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم، وندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رَجُلَ أعزُّ منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم - قد آمنوا - فلما قَدِمُوا " المدينة " ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فَشَا فيهم، فلم تَبْقَ دار من الأنصار إلا وفيها ذِكْرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العام المقبل وافَى الموسم من الأنصار اثنا عشر رَجُلاً : أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ - ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلاني، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقُطْبَةُ بن عامر - وهؤلاء خزرجيُّون - وأبو الهيثم بن التَّيِّهَانِ، وعويم بن ساعدة - من الأوس - فلَقَوْه في " العقبة " - وهي العقبة الأولى - فبايعوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، على ألا يُشْركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا ولا يزنوا. . إلى آخر الآية، فإن وفَّيْتُم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئاً من ذلك، فَأخِذتم بِحدِّهِ في الدنيا فهو كَفَّارة له، وإن سَتَرهُ الله عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، قال : فلما انصرف القوم بعث معهم رَسُولُ الله صلى الله علي
١ ينظر ديوانه (٦٥) وتأويل مشكل القرآن ٤٦ ومجاز القرآن ١/١٠١ واللسان (حبل) ومجمل اللغة ١/٢٦٢ وزاد المسير ١/٤٣٣ وتاج العروس ٧/٢٧٠ وتهذيب اللغة ٥/٧٨ والدر المصون ٢/١٧٧..
٢ البيت لجرير ينظر ديوانه ص ٥٢٠ واللسان (حبل) وتهذيب اللغة ٥/٧٩ والدر المصون ٢/١٧٧..
٣ البيت لكثير عزة ينظر ديوانه ص ١١١، وإصلاح المنطق ص ٥، وشرح شواهد المغني ١/٥٧١، ولسان العرب (حبل) والمقاصد النحوية ٣/٤٠٤، ٤/٤٤١..
٤ آية: ٢٦٧..
٥ انظر: الدرالمصون ٢/١٧٧، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٨٥..
٦ استدلوا من الكتاب بآيات كثيرة، والناظر إليها يلاحظ أنها تنقسم بادئ ذي بدء إلى أربعة أقسام:
قسم يدل على شمول النصوص لجميع الأحكام ويلزم منه الاستغناء عن القياس.
وقسم يدل على وجوب اتباع ما أنزل الله ويفهم منه منع العمل بالقياس.
وقسم يدل على منع اتباع الظن ويتضمن منع العمل بالقياس.
وقسم يدل على منع مجاوزة الكتاب والسنة ونحو ذلك مما يتضمن منع العمل بالقياس.
أولا: منها قول الله تعالى: ما فطرنا في الكتاب من شيء وقوله تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين على قراءة الرفع. وقوله سبحانه: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقوله جل شأنه: اليوم أكملت لكم دينكم.
"وجه الاستدلال بهذه الآيات" أن الآيات الثلاث الأول دالة على اشتمال الكتاب الكريم على جميع أحوال الكائنات شاهدة وغائبة ومنها الأحكام الشرعية فتكون الأحكام الشرعية كلها مستفادة من نصوص الكتاب والآية الأخيرة دالة على إكمال الدين، والدين هو الأحكام الشرعية. وإكمالها استيعابها بالنص عليها، وذلك باشتمال الكتاب عليها لتتفق مع الآيات قبلها، وإذا يكون القياس مستغنى عنه في معرفة الأحكام الشرعية فلا يكون حجة، لأنه إن كان موافقا للنص كان لاغيا، وإن كان مخالفا له كان باطلا، وإذا لم يكن حجة لم يجب تحصيله ولا العلم به بل يحظران عند المخالفة كما لا يخفى.
"ويناقش الاستدلال المذكور" بمنع دلالة هذه الآيات على اشتمال القرآن الكريم على جميع الأحكام الشرعية تفصيلا لأنه خلاف الواقع وإلا فأين في كتاب الله مسألة "الجد والإخوة" ومسألة "أنت علي حرام" وغيرها، ولأنه يستلزم أن السنة لم تشتمل على أحكام سكت عنها القرآن الكريم وهو خلاف الواقع أيضا، وإلا فأين في كتاب الله تعالى بيان عدد ركعات الصلاة ومقادير الزكاة وغير ذلك مما بينته السنة المطهرة.
"فإن قالوا" نحن نلتزم أن الكتاب مشتمل على جميع الأحكام إجمالا لكن التفاصيل مستفادة من السنة وحدها فيبقى القياس مستغنى عنه.
"قلنا" هذه دعوى لا دليل عليها وهي خلاف الواقع إذ ليس في السنة المطهرة مسألة الجد والإخوة، ولا مسألة أنت علي حرام ولا نحوهما من المسائل التي اجتهد فيها الصحابة وغيرهم فكل من الكتاب والسنة قد يشتمل على الحكم بالذات وقد يشتمل عليه بالواسطة بأن يدل على حجية الأصل الدال عليه، وقد دل الكتاب على حجية السنة ودل الكتاب والسنة على حجية الإجماع، ودلت الثلاثة على حجية القياس. فالأحكام المستفادة من القياس مشتمل عليها الكتاب إجمالا بدلالته على حجية القياس ابتداء أو على حجية السنة الدالة على حجية القياس أو على حجية السنة الدالة على حجية الإجماع الدال على حجية القياس.
على أنا لا نسلم أن الآيتين الأولى والثانية واردتان في شأن القرآن الكريم بل في شأن اللوح المحفوظ كما قال المفسرون فهو مشتمل على أحوال جميع الكائنات، ولا علم لنا تفصيلا إلا بما اشتمل الكتاب والسنة على تفصيله من هذه الأحوال وهو البعض فلا غنى لنا عن القياس لنستعلم به ما لم ينص الكتاب والسنة عليه.
ثانيا: منها قول الله تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقوله تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله وقوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم
"ووجه الاستدلال بهذه الآيات" أنها دلت بمنطوقها على وجوب الحكم بما أنزل الله ودلت بمفهومها على تحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولا شك أن القياس من غير ما أنزل الله فيكون الحكم به محرما. "ويناقش هذا" بأن ليس المراد بما أنزل الله نفس اللفظ الذي أنزله إذ لا شبهة في أن الحاكم إنما يحكم بمدلول اللفظ لا بنفس اللفظ، وكل معنى حق مستفاد من اللفظ بالوضع أو الالتزام فهو مدلول، فعلى هذا لا نسلم أن الحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله بل هو بما أنزل الله أي بمدلول ما أنزل الله وذلك من عدة أوجه:
"الأول": أنه حكم بالقياس الذي أنزل الله ما يدل على حجيته من آيات التعليل وآيات التمثيل وغيرها.
"الثاني" أنه حكم بالقياس المدلول على حجيته بالسنة التي أنزل الله ما يدل على حجيتها.
"الثالث": أنه حكم بالقياس المدلول على حجيته بالإجماع المدلول على حجيته بالسنة التي أنزل الله ما يدل على حجيتها.
"الرابع": أنه حكم بمقتضى العلة المستنبطة من النص الذي أنزله الله من كتاب أو سنة.
فعلى كل من هذه الأربعة يكون الحكم بالقياس حكما بما أنزل الله لأن الله عز وجل أنزل ما يدل عليه. ويقرب من الآيات السابقة قول الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فإنه يدل على وجوب الرد إلى الكتاب والسنة ففيهم منه منع الرد إلى ما عداهما من قياس وغيره. وقول الله تعالى: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي فإنه يدل على اختصاص الهدى بما أوحاه الله من كتاب أو سنة فيكون ما سواهما من قياس وغيره ضلالا، وقوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم فإنه يدل على توقف الإيمان على تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع حكمه الذي نص عليه في الكتاب أو السنة فيكون اتباع ما عداه من قياس وغيره مخالفا للإيمان. وقوله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله فإنه دل على أنه لا يتبع إلا ما أوحاه الله إليه من الكتاب أو السنة وهو قدرة الأمة فيلزم الأمة اتباعهما ويمتنع عليها اتباع غيرهما من قياس أو غيره.
والجواب عن الاستدلال بهذه الآيات كلها" أن حجية القياس الصحيح مدلول عليها بالكتاب والسنة، فكل ما دل على وجوب اتباع الكتاب والسنة والاقتصار عليها يدل على وجوب العمل بالقياس الصحيح، بخلاف الرأي المحض والقياس الفاسد.
ثالثا: منها قول الله تعالى: وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فإن دل على أن الظن لا يفيد شيئا من الحق، والقياس ظن لابتنائه على علية العلة في الأصل ووجودها في الفرع وهما ظنيان لاحتمال أن تكون خصوصية الأصل جزءا من العلة أو شرطا لعليتها أو تكون خصوصية الفرع مانعة من العلية، ولا سبيل إلى القطع مع قيام هذه الاحتمالات، فالقياس إذا لا يفيد شيئا من الحق فيمتنع العمل به شرعا.
وكذا قوله تعالى: اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم فإنه دل على تحريم كثير من الظن وهو غير معلوم فلا يتم الامتثال إلا بالامتناع عن جميع الظن ومنه القياس. وقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم فإنه دل على تحريم اتباع ما لم يعلم ومنه الحكم القياس فإنه مظنون غير معلوم. وقوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فإنه دل على تحريم القول على الله بما لا يعلم.
ولا شك أن الحكم بالقياس يقتضي الإخبار بأن مدلوله حكم الله تعالى وهو لا يعلم، وإنما يظن ظنا، فهو قول على الله بما لا يعلم فيكون حراما.
ويناقش الاستدلال بهذه الآيات كلها بأنا لا نسلم دلالتها على منع القياس الصحيح.
"أما الآية الأولى" فإن المراد بالظن فيها الظن الذي لا مستند له، وإنما هو رجم بالغيب وتقليد للآباء وتقول بغير دليل، وأما الظن المستند إلى النظر والاستدلال فليس داخلا في مضمون الآية، ولا يخفى أن القياس من باب الظن المستند إلى النظر في الأدلة الشرعية فلا يكون داخلا في الآية.
ولئن سلمنا أن المراد به الظن مطلقا لا نسلم أنه لا يغني من الحق شيئا في كل مقام، بل المراد الظن في مقام يطلب فيه اليقين كالاعتقادات المتعلقة بذات الله تعالى وذات رسله وإلا لانتقض بدلالات الكتاب والسنة على الأحكام الشرعية فإنها تغني من الحق مع أنها ظنية.
"وأما الآية الثانية" فإن المراد من الظن فيها ظن السوء بالمسلم السالم عرضه ودينه ظاهرا بقرينة قول الله تعالى: ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا فإن الأمور الثلاثة مرتبة في الواقع، لأن من ظن بأخيه شرا دعاه ظنه إلى التجسس عليه، فإذا ظهر له بالتجسس شيء دعاه ذلك إلى غيبته فنهى الله عز وجل عن هذا الظن وما يترتب عليه وأين منه القياس؟ ومما يرشد إلى هذا أنه لم يقل اجتنبوا الظن إن الظن إثم مع أنه أخصر، وما ذلك إلا لأن من الظن ما هو إثم ومنه ما هو غير إثم كالقياس. كظن السوء بمن شهد عليه العدول بما يفسقه وبمن أقر على نفيه بذلك.
وأما "الآيتان الثالثة والرابعة" فقوله عز وجل في إحداهما ما ليس لك به علم وفي الأخرى ما لا تعلمون لا يجوز أن يراد به ما يشتمل الحكم القياسي ونحوه من المظنونات المعتد بها شرعا كخبر الواحد وظاهر الكتاب وخبر الشهود لئلا تتعارض الآيتان مع الأدلة القائمة على جواز بل وجوب العمل بها، والتعارض خلاف الأصل.
"فإن قيل" كيف يتأتى عدم إرادة هذه المظنونات مع أنها من مشمولات ما لا يعلم؟
قلنا" يتأتى ذلك بثلاث طرق:
أن المراد بالعلم في الآيتين الإدراك القوي جازما كان أو راجحا فيشمل الظن، واستعماله في هذا المعنى الشامل للظن كثير جدا بشهادة الاستقراء، فيكون المحرم المنهي عنه هو اتباع ما لا يدرك إدراكا جازما ولا راجحا وهو المشكوك فيه والمتوهم، والمقطوع بخلافه فلا يدخل فيه الحكم القياسي ونحوه.
أن يبقى العلم على معناه المشهور وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن موجب فيكون قوله تعالى: ما ليس به علم وقوله ما لا تعلمون دالين على كل ما لا يقطع به من مظنون وغيره.
لكن هذا المدلول ليس مرادا عمومه بل هو مخصوص بغير ما قام الدليل على جواز اتباعه من المظنونات كالحكم القياسي ونحوه. فهذه المظنونات خارجة من الآيتين من حيث الإرادة وإن كانت داخلة فيها من حيث الدلالة.
أن يبقى العلم على معناه المشهور ويبقى قول الله تعالى: ما ليس لك به علم وقوله ما لا تعلمون على ظاهرهما من العموم ويقال إن الحكم القياسي ونحوه والمظنونات التي قامت الأدلة على وجوب العمل بها قد صارت بهذه الأدلة معلومات متيقنات غير مظنونات وذلك أن المجتهد أو القاضي إذا حصل له ظن مستند إلى دليل معتد به شرعا علم أن الله عز وجل أوجب عليه العمل بهذا الظن للإجماع القاطع على ذلك.
ثم إما أن يكون من المصوبة أو من المخطئة.
فإن كان من المصوبة فالعلم بوجوب العمل بالظن يوجب العلم بأن هذا الحكم هو حكم الله تعالى في حقه وليس لله حكم في حقه سواء، فالحكم الذي ظهر أولا عقب الدليل المنتج به يقطع به عقب العام بوجوب العمل به.
وإن كان من المخطئة فالعلم بوجوب العمل بالظن وإن لم يوجب العلم بأن هذا الحكم هو حكم الله في الواقع لكنه يوجب العلم بأنه حكم الله الظاهري الذي يخرجه من العهدة، فالحكم القياسي ونحوه إذا معلموم لا مظنون فلا يدخل في قوله تعالى: ما ليس لك به علم ولا في قوله ما لا تعلمون فلا يكون اتباعه محرما "وقد يقال" إن الظن والعلم لا يمكن أن يكونا في لحظة واحدة فلا بد أن يكون العلم متأخرا عن الظن فالحكم في حالة الظن السابقة على حالة العلم يكون داخلا في الآيتين وأيلولته بعد ذلك إلى العلم لا تمنع دخوله فيهما في هذه الحالة الأولى فيكون اتباعه محظورا على فرض قصر العلم على الجزم وعدم تخصيص ما لا يعلم. فلا بد في الجواب من تعميم العلم بحيث يشمل الظن.
أو تخصيص ما لا يعلم بحيث تخرج عنه المظنونات التي قامت الأدلة على اتباعها أعني أنه لا بد من إحدى الطريقتين الأوليين فهذا الطريق الثالث على ما فيه من الطول لم ي.

٧ ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" (٢٨٨) وعزاه لنصر المقدسي في الحجة والبيهقي في "الرسالة الأشعرية" بغير سند وقال: وأورده الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم ولعله خرج في بهض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا قال المناوي في "فيض القدير" (١/٢١٢): قال السبكي: وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع.
والحديث ذكره الغزالي في "الإحياء" (١/٢٧) وقال العراقي: وأسنده البيهقي في "المدخل من حديث ابن عباس" وإسناده ضعيف..

٨ تقدم..
٩ ذكره ابن منده، وقال: قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلموا ثم ساق الحديث من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمود بن لبيد بهذا كذا قال والذي ذكره ابن إسحاق في المغازي بهذا الإسناد يدل على أنه لم يسلم وقوله: قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه نظر، وإنما قدم أبو الجيش في فتية من بني عبد الأشهل على قريش يلتمسون منهم الحلف على إخوانهم الخزرج، فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى الإسلام فلم يسلموا إذا ذاك وانصرفوا فكانت بينهم وقعة بعاث المشهورة ولأبي الجيش هذا ابن شهد بدرا، وابنة تزوجها عبد الرحمن بن عوف، وهي التي قيل له بسببها: أو لم ولو بشاة ينظر الإصابة ١/١٣٦..
١٠ إياس بن معاذ الأنصاري الأشهلي... قال ابن السكن وابن حبان له صحبة وذكره البخاري في تاريخه الأوسط فيمن مات على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين الأولين والأنصار وترجم له في التاريخ الكبير وقال مصعب الزبيري قدم إياس مكة وهو غلام قبل الهجرة، فرجع ومات قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر قومه أنه مات مسلما، وقال ابن إسحاق في المغازي حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبو الحيس (الحيسر) أنس بن رافع مكة، ومعه فتية بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له، قالوا: وما ذاك، قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ: يا قوم، هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيس (الحيسر) حفنة من البطحاء، فضرب وجهه بها وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا فسكت وقام وانصرفوا، وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه فكانوا لا يشكون أنه مات مسلما رواه جماعة عن ابن إسحاق هكذا، وهو من صحيح حديثه لكن رواه زياد البكائي عن ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بدل الحصين والأول أرجح أشار إلى ذلك البخاري في تاريخه. ينظر الإصابة ١/٩٢- ٩٣..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية