الآية السادسة عشرة : قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعَدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .
فيها أربع مسائل :
المسألة الأولى : الْحَبْل : لفظٌ لغوي يَنْطِلق على معانٍ كثيرة ؛ أعظمها السبَبُ الواصل بين شيئين.
وهو هاهنا مما اختلف العلماءُ فيه ؛ فمنهم من قال : هو عَهْد الله، وقيل : كِتابُه، وقيل : دِينُه ؛ وقد روَى الأئمة في الصحيح أنَّ رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له حديث رؤيا الظلَّة التي تَنْطُفُ عسلاً وسَمْناً، وفيه قال :«ورأيتُ شيئاً واصلاً من السماء إلى الأرض. . . » الحديث إلى آخره، وعبَّر الصدِّيق بحضرته عليه السلام، فقال :«وأما السبَبُ الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحقُّ الذي أنْتَ عليه، فضرب اللهُ تعالى على يدي ملك الرؤيا مثلاً للحقِّ الذي بُعِثَ به الأنبياء بالْحَبْلِ الواصل بين السماء والأرض، وهذا لأنهما جميعاً ينيران بمشكاةٍ واحدة.
المسألة الثانية : إذا ثبت هذا فالأظهر أنه كتابُ اللهِ، فإنه يتضمَّن عَهْدَه ودينه.
المسألة الثالثة : التفرق الْمَنْهيّ عنه يحتمل ثلاثة أوجه :
الأول : التفرق في العقائد، لقوله تعالى : شَرَعَ لكم مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً والذي أوْحَيْنا إليكَ وما وصَّيْنا به إبراهيمَ ومُوسَى وعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فيه [ الشورى : ١٣ ].
الثاني : قوله عليه السلام :«لا تحاسَدُوا ولا تَدَابَرُوا ولا تَقَاطَعُوا وكونوا عبادَ الله إخواناً »، ويعضده قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً .
الثالث : تَرْكُ التخطئة في الفروع والتبرِّي فيها، وليمض كلُّ أحدٍ على اجتهاده ؛ فإنَّ الكلَّ بحَبْلِ الله معتصم، وبدليله عامل ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم :«لا يصلينَّ أحدٌ منكم العَصْر إلاّ في بني قُرَيظة » ؛ فمنهم من حضرَتِ العَصْرُ فأخَّرها حتى بلغ بني قريظة أخْذاً بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال : لم يُرِدْ هذا منّا، يعني وإنما أراد الاستعجال فلم يعنف النبيُّ عليه السلام أحداً منهم.
والحكمةُ في ذلك أنَّ الاختلافَ والتفرقَ المنهيّ عنه إنما هو المؤدِّي إلى الفتنة والتعصُّب وتشتيت الجماعة ؛ فأما الاختلافُ في الفروع فهو مِنْ محاسنِ الشريعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم :«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فلَهُ أجْران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجْرٌ واحد ». ورُوي أنَّ له إنْ أصاب عشرة أُجور.
المسألة الرابعة : قال بعضُ علمائنا قوله : وَلاَ تَفَرَّقُوا دليل على أنه لا يصلِّي الْمفْتَرِض خَلْفَ المتنفِّل ؛ لأنَّ نيتَهم قد تفرقت، ولو كان هذا متعلقاً لما جازت صلاةُ المتنفِّل خلْفَ المفترض ؛ لأنَّ النيةَ أيضاً قد تفرقت ؛ وفي الإجماع على جواز ذلك دليلٌ على أنَّ منزعَ الآية ما قدمناه لا ما تعلَّق به هذا العالم.
أحكام القرآن
ابن العربي