ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

قوله تعالى : واعْتَصِموا بحَبْلِ اللهِ١ جميعاً ولا تَفَرَّقوا [ ١٠٣ ] :
وحبل الله في عهده٢ في قول، والقرآن في قول آخر٣، وكل ذلك صحيح.
وقوله : ولا تَفَرَّقوا : يجوز أن يراد به التفرق في أصول الدين، مثل قوله تعالى : وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقيماً فاتَّبِعوهُ وَلا تَتّبِعوا السُبلَ فَتَفرَّقَ بكُمْ عَنْ سَبيلِهِ٤ ، ويجوز أن يكون معناه :" ولا تفرقوا " ٥ متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخواناً، فيكون ذلك منعاً لهم عن التقاطع والتدابر، ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى : واذكُروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتم أعداء فألّفَ بينَ قُلوبِكُم فأصْبَحْتمْ بنِعْمَتِهِ٦ إخْواناً [ ١٠٣ ].
وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافاً، إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وليس اختلاف حكم الحائض والطاهرة في الصوم والصلاة، واختلاف حكم المقيم والمسافر في الإتمام والقصر، اختلافاً من حيث إن الواجب على كل واحد منهم، غير الواجب على الآخر، والاختلاف إذاً هو كالاختلاف في الصناعات والحرف وأصغار الأشياء، ومراسم الناس في أنها سبب الانتظام، وإنما منع الله اختلافاً هو سبب الفساد فهذا حكم مسائل الاجتهاد، فإن الاختلاف فيها سبب لاستخراح الغوامض ودقائق معاني الشرع، فاعلمه.
وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك :" اختلاف أمتي رحمة٧ ".

١ - ومفردات الآية:
"واعتصموا" العصمة: المنعة، "بحبل" الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة والحبل: حبل العانق. والحبل: مستطيل من الرمل، والحبل الرسن. والحبل العهد. والمراد به هنا بمعنى العهد، أو بمعنى القرآن..

٢ - كما قال تعالى في الآية ١١٢ من سورة آل عمران: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس)، أي بعهد وذمة..
٣ - روى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ألا وأني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة... الحديث"..

٤ - سورة الأنعام، آية ١٥٢..
٥ - يقول صاحب محاسن التأويل
قوله: (ولا تفرقوا) أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم، كما اختلف اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية..

٦ - قال الزمخشري: "كانوا في الجاهلية بينهم الاجن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله" أهـ.
كذلك انظر تفسير ابن كثير ج١ ص٣٨٩..

٧ - قال في المقاصد: رواه البيهقي في المدخل بسند منقطع عن ابن عباس بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما أوتيتم من كتاب فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم تكن سنة مني فمما قاله أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة".
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي بلفظه، وفيه ضعف..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

إلكيا الهراسي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير