المعنى الجملي : بعد أن وبخ سبحانه أهل الكتاب على كفرهم وصدهم عن سبيل الله، وأقام الحجج عليهم وأزال شبهاتهم– خاطب المؤمنين محذرا لهم من إغوائهم وإضلالهم : مبينا لهم أن مثل هؤلاء لا ينبغي أن يطاعوا، ولا أن يسمع لهم قول، فهم دعاة الفتنة وحمالو حطبها، ثم أمرهم بعد ذلك بتقواه والتمسك بحبله المتين، ثم بتذكر نعمته عليهم ؛ وفعل الإنسان إما عن رهبة وإما عن رغبة والرهبة مقدمة عن الرغبة وقد أشار إلى الأولى بقوله : اتقوا الله حق تقاته وإلى الثانية بقوله : واذكروا نعمة الله عليكم .
وحبل الله : كتابه من اعتصم به كان مستمسكا بأقوى سبب متحرزا من السقوط في قعر جهنم، وشفا الحفرة : طرفها، وبه يضرب المثل في القرب من الهلاك فيقال أشفى على الهلاك أي وصل إلى شفاه.
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا أي تمسكوا بكتاب الله وعهده الذي عهد به إليكم، وفيه أمركم بالألفة و الاجتماع على طاعته وطاعة رسوله، والانتهاء إلى أمره.
وقد جعل الدين في سلطانه على النفوس وتصرفه فيها بحسب نواميسه و أصوله وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال بحسب هديه- كأنه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط في الهاوية كأن الآخذين به قوم على نشز أي مرتفع من الأرض يخشى عليهم السقوط منه فيأخذون بحبل موثق يجمعون به قوتهم فينجون من السقوط.
وفي الحديث :" القرآن حبل الله المتين، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط المستقيم ".
وجاء في معنى الآية قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( الأنعام : ١٥٣ ) فحبل الله في هذه الآية هو صراطه المستقيم كما أن أنواع التفرق هي السبل التي نهى عنها فيها.
ومن السبل المفرقة في الدين إحداث الشيع و المذاهب كما قال : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( الأنعام : ١٥٩ ) ومنها العصبية الجنسية كما بين الأوس والخزرج كما تقدم ذلك وقد روى أبو داود عن مطعم بن جبير( ليس منا من دعا إلى عصبية ).
وقد سار على هذا النهج أهل أوروبا في العصر الحديث فاعتصموا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية وسرى ذلك إلى بعض البلاد الإسلامية فحاول أهلها أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية. فدعا الترك إلى العصبية التركية، والمصريون إلى الجنسية المصرية، والعراقيون إلى الجنسية العراقية، ظنا منهم أن ذلك مما ينهض بالوطن وليس الأمر كما يظنون فإن الوطن لا يرقى إلا باتحاد كل المقيمين فيه لإحيائه لا في تفرقهم ووقوع الشحناء و البغضاء بينهم فالدين يأمر باتحاد كل قوم تضمهم أرض واحدة وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم ويأمر بالاعتصام بحبل الله المتين بين جميع الأقوام.
واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا أي واذكروا أيها المؤمنون النعمة التي أنعم الله عليكم بها حين كنتم أعداء يقتل بعضكم بعضا، ويأكل قويكم ضعيفكم فجاء الإسلام فألف بينكم وجمع جمعكم وجعلكم إخوانا حتى قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم وديارهم وكان بعضهم يؤثر غيره على نفسه وهو في خصاصة وحاجة إليه و أطفأ الحروب التي تطاولت بين الأوس و الخزرج مائة وعشرون سنة وأنقذهم مما هو أدهى وأمر وهو عذاب الآخرة.
وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها أي وكنتم بوثنيتكم وشرككم بالله، كأنكم على طرف حفرة يوشك أن ينهار بكم في النار فليس بين الشرك و الهلاك في النار إلا الموت و الموت أقرب غائب ينتظر فأنقذكم الإسلام منها.
وفي هذه الآيات جماع المنن التي أنعم بها عليكم فقد أخرجكم بالإسلام من الشرك و مخازيه و ألف بين قلوبهم حتى صاروا سادة البشر حين كانوا يعملون بكتابه وأنقذهم بذلك من النار فسعدوا بالحسنيين.
فانظر إلى آيات الله ودلائل قدرته كيف حول قوما متخاذلين تملأ قلوبهم الإحن و العداوات، ويتربص كل منهما بالآخر ريب المنون- إلى جماعات متصافية القلوب مليئة بالحب و الإخلاص، وجهتهم جميعا واحدة هي حكم الله ورفعة دينه ونشره بين البشر.
كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون أي كما بين لكم ربكم في هذه الآيات ما يضمره لكم اليهود من غشكم، وبين لكم ما أمركم به وما نهاكم عنه وبين لكم الحال التي كنتم عليها في الجاهلية وما صرتم إليه في الإسلام ليعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه كذلك يبين سائر حججه في تنزيله على لسان رسوله ليعدكم للاهتداء الدائم حتى لا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق و العدوان.
والاختلاف الذي يقع بين البشر ضربان :
ضرب لا يسلم منه الناس، ولا يمكن الاحتراس منه، وهو الخلاف في الرأي والفهم وهو مما فطر عليه البشر وإلى ذلك الإشارة بقوله : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ( هود : ١١٨-١١٩ ) إذ إن العقول و الأفهام ليست متساوية فالأسرة الواحدة تختلف أفهام أفرادها في الشيء الواحد كما يختلف حبهم له وميلهم إليه وهذا ضرب لا ضرر فيه.
ضرب جدت الشرائع في هدمه ومحوه وهو تحكيم الرأي و الهوى في أمور الدين وشؤون الحياة.
وهاك مثلا يتضح لك به ما تقدم- قد اختلف الأئمة المجتهدون في فهم كثير من نصوص الدين من كتاب وسنة، وما كان في ذلك من حرج فمالك نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من صلاح وسلامة قلب، فقال : إن عمل أهلها أصل من أصول الدين لأنهم لقرب عهدهم من النبي صلى الله عليه وسلم لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة في العمل وأبو حنيفة نشأ في العراق وأهلها أهل شقاق ونفاق فلم يجعل عملهم ولا عمل غيرهم حجة ولو اجتمع هذان الإمامان لعذر كل منهما صاحبه فيما رأى لأنه بذل جهده في بيان وجه الحق مع الإخلاص لله و إرادة الخير و الطاعة لأمره ولكن جاءت بعد هؤلاء فرق من المسلمين قلدتهم فيما نقل عنهم ولم تقلدهم في سيرتهم وحكموا الرأي والهوى في الدين وتفرقوا شيعا كل فريف يتعصب لرأي فيما وقع من أوجه الخلاف ويعادي المخالف له حتى حدث من ذلك ما نرى وما ذاك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلب المتعصبين، فليس من المعقول أن أبا حنيفة أصاب في كل ما خالف فيه غيره من الأئمة وأن الشافعي ومالكا أخطآ في جميع ما خالفا فيه أبا حنيفة.
وإذا فكيف يمضي نحو أربعة عشر قرنا ولا يستبين لفقهاء مذهبه وجه الصواب في بعض المسائل الخلافية فيرجحون بعض آراء المذاهب الأخرى على مذهبه في تلك المسائل، ويرجعون إلى الصواب فيها.
وهذا الضرب من الخلاف وهو تحكيم الرأي والهوى كان مصدر شقاء أمم كثيرة فهوت بعد رفعتها ؛ و ذلت بعد عزتها، وضعفت بعد قوتها.
وقد حدث مثل هذا في الفرق الإسلامية في علم الكلام فإن أبدى أحدهم رأيا في مسألة بادر مخالفه إلى الرد عليه وتفنيد مذهبه وتضليله ويقابله الآخر بمثل صنيعه ولو حاول كل منهما محادثة الآخر و الاطلاع على أدلته ووزنها بميزان الإنصاف و الحق لما حدث مثل هذا الخلاف، بل اقتنع كل واحد منهما بما رأى مخالفه.
والمسلم مادام محتفظا على نصوص دينه لا يخل بواحد منها، مع احترامه لرسوله المفسر لكتابه لا يخرج من جماعة المسلمين لمخالفته سواه.
فإذا تحكم الرأي والهوى ولعن بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.
وكذلك الحال في الاختلاف في المعاملة في المسائل السياسية والدينية، لا ينبغي أن يكون مفرقا بين جماعة المؤمنين، بل عليهم أن يرجعوا في النزاع إلى حكم الله وآراء أولي العلم منهم، وبذلك نتقي غائلة الخلاف، ونكون في وفاق ونصير ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
تفسير المراغي
المراغي