عليه ولا متأخراً عنه، وقولك: وأنت مسلم الأظهر منه أن
يكون ذلك حاصلًا من قبل، ومستصحباً في تلك الحال.
قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣).
حبل الله: هو الذريعة المتوصل بها إليه من القرآن والنبي
والعقل والعلم، والاعتصام ضربان: اعتصام بالله بلا واسطة
بشرية، وذلك للأنبياء، واعتصام بواسطة بشرية، وهو بمنزلة
غيرهم من الناس، ثم منهم من يتوصل إليه بواسطة واحدة من
الوسائط، كالصحابة والأولياء والحكماء، الذين لم يأخذوا
الدين بالتقليد، ومنهم من يحتاج مع ذلك إلى من يعتمده في
كثير من دينه، وإلى هذا أشار النبي - ﷺ - بقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
إن قيل: لِمَ قال أولاً: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ)، ثم قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)
وجعل بين الكلمتين و (اتَّقُوا اللَّهَ)؟
قيل: لما كان القصد في
عبادة الله إلى الاعتصام به ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقوى عقبه
بقوله: و (اتَّقُوا اللَّهَ)، ولما كان حقيقة التقوى فعل الطاعات.
ولا سبيل للإِنسان إلى معرفة ذلك إلا بحبل الله: أي كتابه ورسله
أمر أن يعتصموا بحبله ليتوصلوا إلى تقواه، ومن تقواه إلى
الاعتصام به، ومن توصل إلى الاعتصام، ثم إلى التوكل، ثم إلى
الإِسلام استغنى حينئذ عن الوسائط، الذين هم حبل الله، ويصير
ممن قال - ﷺ - فيه حكاية عن الله: "فإذا أحببته كنت سمعه "، الخبر.
صفحة رقم 767
وقوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا) حث على الألفة والاجتماع، الذي هو
نظام الايمان واستقامة أمور العالم، وقد فضل المحبة والألفة على
الإِنصاف والعدالة، لأنه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبة.
ولصدق محبة الأب للابن صار مؤتمنا على ماله، والألفة أحد ما شرف الله
به الشريعة سيما شريعة الإِسلام، ولهذا قال: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ).
وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وقال - ﷺ -: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً"،
وقال: "من شذَّ شذَّ في النار".
ولطلب الألفة شُرع الاجتماعات في المساجد والجمع والجماعات والأعياد.
وقوله: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) أي على ما يؤدِّيكم إلى
النار، وهو خطاب عام للمسلمين كافة، وإن كان قد جعله
بعضهم خاصًّا للأوس والخزرج على ما تقدم ذكره، وبعضهم
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار