واعتصموا بحبل الله يعني بدين الإسلام قال الله تعالى : ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ١ وبكتابه لقوله صلى الله عليه وسلم " كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض " وقد مر، استعار له الحبل من حيث أن التمسك به سبب للنجاة عن التردي في النار كما أن التمسك بالحبل سبب للنجاة عن التردي من فوق وللوثوق به والاعتماد عليه بالاعتصام ترشيحا للمجاز جميعا حال من فاعل اعتصموا أو من مفعوله أعني بحبل الله أو منهما جميعا فعلى تقدير كونه حالا من الفاعل معناه حال كونكم مجتمعين في الاعتصام، يعني خذوا في تفسير كتاب الله وتأويله ما اجتمع عليه الأمة، ولا تذهبوا إلى خبط آرائكم على خلاف الإجماع. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولي الله أمركم، ويسخط لكم قيلا وقالا وإضاعة المال وكثرة السؤال " ٢ رواه مسلم وأحمد، وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار " ٣ رواه الترمذي، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار " ٤ رواه ابن ماجه، وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاذة والقاصية والناحية، وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة " ٥ رواه أحمد، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " ٦ رواه أحمد وأبوا داود، وعلى تقدير أن يكون حالا من المفعول فالمعنى اعتصموا بجميع كتاب الله ولا تقولوا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض فإن بعض طاقات الحبل لا يقوي على الحفظ ولا تفرقوا عطف على ما سبق وهذه الجملة تأكيد على أحد التأويلين وتأسيس على الآخة يعني لا تفرقوا عن الحق باختلاف كأهل الكتاب، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليأتيّن على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذروا النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي " ٧ رواه الترمذي، وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية " اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " قلت : فلم يتفرق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وأول بغي كان على الإمام الحق خروج أهل المصر على عثمان رضي الله عنه، وأول اختلاف وقع في أمر الخلافة كان من معاوية غفره الله تعالى وقال : و كلا وعد الله الحسنى ٨ وأول اختلاف وقع في الدين اختلاف الحرورية الذين خرجوا على علي عليه السلام، ثم أوقع الخلاف ورفض الحق عبد الله بن سبأ منشأ الروافض، ثم ظهر مذهب الاعتزال في زمن التابعين فتشبثوا بأذيال الفلاسفة واشتغلوا بقيل وقال وأحبوا كثرة الجدال وتزكوا ظواهر كتاب الله المتعال وسنة نبيه ومذهب السلف أهل الكمال بتقليد آرائهم الكاسدة المنشآت الضلال.
واذكروا يا معشر الأنصار نعمة الله عليكم التي من جملتها الهداية للإسلام المودي إلى التالف إذ كنتم أعداء قبل الإسلام فألف بين قلوبكم بالإسلام فأصبحتم أي صرتم بنعمته برحمته وهدايته إخوانا في الدين والولاية والمحبة، قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل فتطاولت العداوة والحرب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان بدء إسلامهم وألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه قدم مكة حاجا أو معتمرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى ربه عز وجل وإلى الإسلام، فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما الذي معك ؟ قال : مجلة لقمان يعني حكمته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعرضها علي فعرضها، فقال : إن هذا حسن ومعي أفضل من هذا قرآن أنزل الله عز وجل نورا وهدى فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه وقال : إن هذا القول حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وإن قومه ليقولون قد قتل وهو مسلم. ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم، فقال هل لكم إلى خير مما جئتم له ؟ قالوا : وما ذاك ؟ قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم أن لا تشركوا بالله شيئا. وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا : أي قوم هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا إلى المدينة. وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا وهم ستة نفرا أسعد بن زرادة، زعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ونافع بن مالك العجلاني، وعطية بن عامر، وعقبة بن عامر، ة وجابر بن عبد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم، قال : أفلا تجلسون حتى أكلمكم، قالوا : بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال وكان مما صنع الله لهم في الإسلام أن اليهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وهم كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد آدم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به اليهود فلا تسبقنك إليه فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا إنا قد تركنا قوما ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا : أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن مالك العجلاني، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وعطية بن عامر فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويمر بن الساعدة من الأوس فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا إلى آخره فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم بشيء من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم – قال : وذلك قبل أن يعرض عليهم الحرب – فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئي، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ أسيد بن حضير : انطلق إلى هذين الرجلين الذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما فإن أسعد ابن خالي ولولا ذلك لكفيتك وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرادة قال لمصعب هذا أسيد قومه قد جاءك فاصدق الله تعالى فيه، قال مصعب : إن يجلس أكلّمه، قال فوقف عليهما متشمتا فقال لما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إن كان لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟ قال : أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقال : والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين، ثم قال : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن وهو سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته فلما وقف على النادي، قال له سعد : ما خلفت ؟ قال : كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا : نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالك ليخفروك فقام سعد مغضبا مبادرا للذي ذكره من بني حارثة فأخذ الحربة وقال : والله ما أراك أغنيت، شيئا، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد قومه إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلناك ما تكره ؟ قال سعد : أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام وقرآ عليه القرآن، فقالا : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قال : تغتسل وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا : نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. قال : يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأيا وأ
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منبع وهات (١٧١٥)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة (٢١٦٧)..
٤ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: السواد الأعظم (٣٩٥٠) قال في الزوائد: في إسناده أبو خلف الأعمى وهو ضعيف..
٥ رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات إلا أن العلاء بن زياد قيل إنه لم يسمع من معاذ. انظر مجمع الزوائد في كتاب: الخلافة، باب: لزوم الجماعة وطاعة الأئمة والنهي عن قتالهم (٩١٠٨)..
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في الخوارج (٤٧٤٥)..
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة (٢٦٤١).
وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: شرح السنة (٤٥٨٥)..
٨ سورة النساء، الآية: ٩٥..
التفسير المظهري
المظهري