ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

١٠٣ - وقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ. الآية. ذكرنا معنى (الاعتصام) (١). وأما (الحَبْل)؛ فقال أبو عبيد (٢): أصل الحَبْل في كلام العرب، ينصرف على وجوهٍ منها: (العَهْدُ) وهو الأمان (٣)، وذلك أن العرب كانت تخفيف بعضها بعضًا في الجاهلية، فكان (٤) الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا مِن (٥) سيِّد القبيلة (٦)، فَيَأمَن به ما دام في تلك القبيلة، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثلَ ذلك أيضًا، يريد به الأمان. وربما أعطاه حَبْلًا أو سَهْمًا (٧).
و (٨) هذا المعنى ذَكَرَهُ الأعشى في قوله يذكر مَسِيرا له (٩):

وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلةٍ أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إليكَ حِبَالَها (١٠)
(١) عند تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ. الآية: ١٠١ من هذه السورة.
(٢) في "غريب الحديث" له: ٢/ ٢١٩ نقله عنه بتصرف. وانظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٧٣٠ (حبل).
(٣) انظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي: ١٢١ - ١٢٢.
(٤) في (ج): (وكان).
(٥) في (ب): (على).
(٦) في (ب)، (ج): (القبيل).
(٧) في (ب): (أن سهل). بدلًا من: (حبلًا أو سهامًا). وقوله: (وربما أو سهما): غير موجودة في "غريب الحديث". وقال السمين الحلبي معلقًا على هذا القول: (وهذا معنى غير طائل، بل سُمِّي العهد حبلًا للتوصل به إلى الغرض). "الدر المصون" ٣/ ٣٣٢.
(٨) في (ب): (في).
(٩) في "غريب الحديث": (يذكر مسيرًا له، وأنه كان يأخذ الأمان من قبيلة إلى قبيلة، فقال لرجل يمتدحه) وذَكَرَ البيتَ.
(١٠) البيت، في ديوانه: (١٥١). كما ورد منسوبًا له، في "غريب الحديث" لأبي عبيد:=

صفحة رقم 469

قال أبو عبيد: (١) فالاعتصام بحبل الله؛ هو: ترك الفرقة، واتباعُ القرآن؛ لأن المؤمن إذا اتبع القرآن، أَمِنَ العذابَ (٢)، كما أن الآخذ [عهد] (٣) سيِّد القبيلة يأمَنُ به.
قال ابن الأنباري (٤): لمَّا ذَكَرَ اللهُ عز وجل الاعتصامَ، ذكر الحبلَ، إذ كان العهد في التمسك به والتوصل، يجري مجرى الحبل، فأقامه الله تعالى مقامه، وأجراه مُجراهُ، ولم تزل العربُ تُشَبِّهُ العهودَ بالحبالِ.
قال الشاعر:

= ٢/ ٢١٩، "تأويل مشكل القرآن" ٤٦٥، "المعاني الكبير" ١١٢٠، "تفسير الطبري" ٤/ ٣٠، "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٥٠، "الزاهر" ٢/ ٣٠٧، "تهذيب اللغة" ١/ ٧٣٠ (حبل)، "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٤٥٣، "مقاييس اللغة" ٢/ ١٣١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨٦ ب، "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى المديني: ١/ ٣٩٤، "اللسان" ٢/ ٧٦٠ (حبل)، "التاج" ١٤/ ١٣٤ (حبل)، وغيرها. وورد غير منسوب في الموضع في " التفسير" ٣٨.
وروايته في الديوان: (فإذا تجوزها..)، وعند الزجاج: (وإذا أجوز بها..). وهذا بيت من قصيدة يمدح فيها الشاعر قيس بن معد يكرب، ويقول فيها مخاطبًا له، وذاكرًا ناقته -أي: ناقة الشاعر-: إنها -وهي تمر في أراضي القبائل، قاصدةً إليك-، لا يُسَوِّغ لها هذا المرور، ولا يُسَهِّل لها قطعَ هذه الطرق، إلا ما تأخذه من عهود الأمان من هذه القبائل، وهكذا من قبيلة إلى قبيلة حتى تصل إليك. انظر: "المعاني الكبير" ١١٢٠، "المقاييس" ٢/ ١٣١.
(١) في "غريب الحديث" له ٢/ ٢١٩. نقله عنه بالمعنى.
(٢) في (ب): (العرب).
(٣) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): (عن). والمثبت من (ج).
(٤) لم أقف على مصدر قوله.

صفحة رقم 470

مازلتُ معتَصِمًا بِحَبْلٍ منكُمُ مَن حَلَّ ساحَتَكم بأسبابٍ نَجَا (١)
أي: بعهد وذِمَّةٍ.
فَسُمَي عهدُ الله حبلًا؛ لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يُتمسك به للنجاة من [سبي] (٢). ونحوها (٣).
قال ابن عباس (٤): أي: تمسكوا بدين الله (٥). وقال قتادة (٦)، والسدي (٧)، والضحاك (٨): حبل الله، هو: القرآن (٩).
(١) لم أقف على قائله. وقد ورد في مادة (حبل) في "تهذيب اللغة" ١/ ٧٣١، "اللسان" ٢/ ٧٥٩.
(٢) هنا كلمة غير مقروءة في (أ)، (ج). وفي (ب): (شيء)، ولم أر لها وجهًا.
(٣) في (ب): (ونحوهما).
قال ابن الأنباري: (والحبل توقعه العرب على السبب تشبيهًا له بالحبل المعروف والسبب المذكور في القرآن هو الحبل، سمَّاه الله -عز وجل- سببًا؛ لأنه يوصل من تمسك به إلى الأمر الذي يَؤُمُّهُ. وكذلك الأسباب المعروفة هي وُصلات وأسباب تصل شيئًا بشيء..). "الزاهر" ٢/ ٣٠٧، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" ٤٦٤ - ٤٦٩، "تفسير الطبري" ٤/ ٣٠.
(٤) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨٦ ب، "زاد المسير" ١/ ٤٣٣.
(٥) وقد ورد نفى هذا المعنى عن ابن زيد، في "تفسير الطبري" ٤/ ٣٠، "النكت والعيون" ١/ ٤١٤، "زاد المسير" ١/ ٤٣٣.
(٦) قوله في "تفسير الطبري" ٤/ ٣١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨٦ - ب، "النكت والعيون" ١/ ٤١٣، "زاد المسير" ١/ ٣٣. وفي رواية أخرى عنه، فسره بـ (عهد الله وأمره). انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٣١، "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٢٤.
(٧) قوله في "تفسير الطبري" ٤/ ٣١، والمصادر السابقة.
(٨) قوله في "تفسير الطبري" ٤/ ٣١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨٦ ب.
(٩) ورد عنه - ﷺ - تفسير (حبل الله)، بقوله: (كتاب الله، حبل الله ممدود من السماء إلى الأرض). ورد ذلك من رواية أبي سعيد الخدري، أخرجها: أحمد، في "المسند" =

صفحة رقم 471

.......................

= ٣/ ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩. والترمذي، في "السنن" ٥/ ٦٦٣ رقم (٣٧٨٨) كتاب المناقب، باب: (مناقب أهل البيت). وأورده من طريقين: الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم. وقال: (هذا حديث حسن غريب).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٣٤ (٣٠٠٧٢)، والطبري في "تفسيره" ٤/ ٣١، والثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٨٧ ب، وابن أبي عاصم في "السنة"٦٣٠ (١٥٥٤). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/ ١٦٣ ونسب إخراجه إلى الطبراني في "الأوسط" وقال: (وفي سنده رجال مختلف فيهم)، وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ١٠٧. ومدار سنده عندهم على عطية العوفي، وهو ضعيف، ويخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلِّسًا.
انظر: "ميزان الاعتدال" ٣/ ٤٧٦، "تقريب التهذيب" ٣٩٣ (٤٦١٦).
وورد بلفظ: (إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله..)، من رواية يزيد بن حبان، عن زيد بن أرقم. أخرجه: ابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٣٤ (٣٠٠٦٩)، وابن حبان في "صحيحه" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١ (١٢٣)، والثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٨٧ ب.
وورد بنفس السند وبنحو لفظه، إلا أنه ليس فيه تفسيره بأنه حبل الله، وإنما ورد فيه: (وأنا تارك فيكم ثَقَلَيْن: أولهما كتاب الله..). أخرجه:
مسلم في "الصحيح" (٢٤٠٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب. وأحمد في "المسند" ٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وابن أبي عاصم في "السنة" ٦٢٩ (١٥٥١)، والبيهقي في "السنن" ٤/ ٢٠٩٠ (٣٣٥٩)، والدارمي في "السنن" ٢/ ٤٣١ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن.
ووردت تفسيراتٌ أخرى لـ (حبل الله) عن بعض السلف، منها: أنه: طاعة الله، وقيل: إخلاص التوحيد، وقيل: الجماعة، وقيل: عهد الله.
انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٣١، "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٢٣، ٧٢٤.
والاختلاف -هنا- من قبيل اختلاف التّنَوُّع، وليس التَّضاد، فإن من التزم القرآن فقد التزم الإسلام -أصلا-، وبالتالي، فقد أطاع الله، واستقام على عهده، وهو ما عليه جماعة المسلمين.

صفحة رقم 472

والخطاب في هذه الآية للأوس والخزرج (١).
وقوله تعالى: جَمِيعًا منصوب (٢) على الحال؛ المعنى: اعتصموا بحبل الله، مجتمعين على الاعتصام به.
وقوله تعالى: وَلَا تَفَرَّقُوا قال ابن عباس (٣): أي: كما كنتم في الجاهلية مقتتلين على غير دين الله.
وقال قتادة (٤): لا تفرقوا عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، والائتلاف على الطاعة.
وقال الزجاج (٥): أي: تناصروا على دين الله، ولا تتفرقوا (٦).
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال ابن عباس (٧): يريد: دين الإسلام.
إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً يريد: ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب التي (٨) تطاولت عشرين (٩) ومائة سنة، إلى أن ألَّفَ اللهُ عز وجل بين قلوبهم

(١) ويدخل فيه المسلمون عمومًا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو مقرر فى أصول هذا الفن.
(٢) من قوله: (منصوب..) إلى (الاعتصام به): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٥٠.
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) قوله في "تفسير الطبري" ٤/ ٣٢ بنحوه، "النكت والعيون" ١/ ٤١٤.
(٥) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٥٠ نقله عنه بنصه. وقد فسره الزجاج بلازمه؛ لأن التناصر من لوازم الوحدة وعدم التفرق.
(٦) (ولا تتفرقوا): غير موجودة في "معاني القرآن".
(٧) لم أقف على مصدر قوله.
(٨) في (ج): (الذي).
(٩) في (ج): (عشرون).

صفحة رقم 473

بالإسلام، فزالت تلك الأحقاد، وصاروا إخوانًا في الإسلام، مُتَوادِّينَ على ذلك (١).
قال الزجاج (٢): وأصل (الأخ) في اللغة [مِن] (٣) [(التَّوَخِّي)، وهو] (٤): الطَّلَبُ. فالأخ [مقصده مقصد] (٥) أخيهِ، وكذلك هو في الصداقة: أن تكون إرادةُ كلِّ واحدٍ من الأَخَوَيْنِ موافقةً (٦) لِمَا يُريد صاحِبُه (٧).

(١) انظر حول ذلك: "تفسير الطبري" ٤/ ٣٣، "الكامل" لابن الأثير ١/ ٤٠٢ - ٤٢٠.
(٢) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٥١. نقله عنه بتصرف.
(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ولكنه بعد التمعن والتدقيق قد يقرأ (من) كما
أثبتُه. وقد وجدته كذلك في تفسير الفخر الرازي: ٨/ ١٧٩؛ حيث نقل عبارة
الزجاج كما هي عند المؤلف- هنا-.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
وقوله: (من التوخي، وهو الطلب) ليس في "معاني القرآن" وإنما حكى المؤلف المعنى، ونصها عند الزجاج -في آخر كلامه-، كالتالي: (والعرب تقول: (فلان يَتَوَخَّى مَسَارَّ فلانٍ)؛ أي: يقصد ما يسره).
(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (مقصد فمقصد). والمثبت من (ج).
(٦) في (ج): (مفارقة).
(٧) قال الأزهري: (وأصله من: (وَخَى، يَخِي): إذا قصد. فقلبت الواو همزة). "تهذيب اللغة" ١/ ١٢٨ (أخو). ونقل عن أبي عمرو: (وَخى فلان يَخي وخيْا: إذا توجه لأمر). المصدر السابق: ٤/ ٣٨٥٦ (وخى). وانظر: "معجم مقاييس اللغة" ٦/ ٩٥ (وخى)، ١/ ٧٠ (أخو). وجمع (أخ): (أخُون، وإخْوان، وإخْوَة، وأخْوَة، وآخاء). ويرى سيبويه أن (إخوة) اسم جمع. انظر: "كتاب سيبويه" ٣/ ٦٢٥، "الصحاح" ٦/ ٢٢٦٤ (أخا)، "اللسان" ١/ ٤٠ (أخا).

صفحة رقم 474

قال أبو حاتم (١): قال أهل البصرة: (الإخوَةُ؛ في النَّسَبِ، و (الإخوان)؛ في الصَّداقة. قال: وهذا غلط (٢). يقال (٣) للأصدقاء، و [الأنسباء] (٤): (إخوةٌ) و (إخوانٌ). قال الله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠]، ولم يعْنِ (٥) النَّسَبَ.
وقال عز وجل: أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ [النور: ٦١]، وهذا في النَّسَبِ. وقوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (شَفَا الشيءِ): حَرْفُهُ، مقصورٌ (٦)، مثل: شَفَا البئر. والجمع: (الأشفاء). ويقال لِمَا بين الليل والنهار، عِند غُروب الشَّمس، إذا غاب بعضها: (شَفَا).
قال الراجز:

أدركتُهُ قَبْلَ شَفًا أو بِشَفَا والشمسُ (٧) قدكادت تَكُونُ دَنَفَا (٨).
(١) قوله في "تهذيب اللغة" ١/ ١٢٨ (أخ)، نقله باختصار وتصرف يسير. وقد تقدمت ترجمته.
(٢) في "التهذيب"، وهذا خطأ وتخليط.
(٣) في (ج): (فقال).
(٤) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). وفي "تهذيب اللغة" وغير الأصدقاء. والمثبت من (ب)، (ج).
(٥) في (ب): (يقل).
(٦) في (ج): (مقصورة).
(٧) في (ج): (فالشمس).
(٨) البيت، للعجاج، وهو في ديوانه (تح: د. عزة حسن): ٤٩٣. كما ورد في "مجاز القرآن" ١/ ٣٨٨، "العين" ٦/ ٢٨٨، ٨/ ٤٨، "غريب الحديث" لأبي عبيد: ٢/ ٤٢٧، "إصلاح المنطق" ٤٠٩، "الجمهرة" ٢٧٤، ٦٧٩، "الخصائص" ٢/ ١١٩، "المخصص" ٩/ ٢٥، ١٧/ ٣١، "المقاييس" ٢/ ٣٠٤، "اللسان" ٣/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣ (دنف)، ١٤/ ٤٣٧ (شفى). =

صفحة رقم 475

ومِن هذا، يقال: (أشفى على الشيء): إذا أشرف عليه؛ كأنه بلغ شَفَاهُ؛ أي: حَدَّهُ وَحَرْفَه (١).
قال ابن عباس (٢): يريد: لو مُتُّمْ على ما كنتم عليه في الجاهلية، لكنتم من أهل النار.
وقوله تعالى: فَأَنْقَذَكُمْ قال الأزهري (٣): يقال: (نَقَذْتُهُ)، و (أنقَذتُه)، و (استَنْقذتُه)، و (تَنَقّذتُه)؛ أي: خلَّصته ونجَّيته. ومنه يقال (٤):

= وورد في الديوان: (أشرفته قبل شفا). وفي "إصلاح المنطق"، "المخصص"، "اللسان": (أشرفته بلا شفى).
وقال في "اللسان" -في تفسير البيت-: (بلا شفى)؛ أي: وقد غابت الشمس، (أو بشفى)؛ أي: وقد بقيت منها بقية) ٤/ ٢٢٩٤ (شفى).
يقال: (شَفَت الشمسُ، تشفو، وتشفي)، و (شفيت شَفًى)، فالكلمة واوية ويائية. انظر المصدر السابق: ٤/ ٢٢٩٤ (شفى).
و (الدَّنَف): هو المرض اللازم، وقيل: مطلق المرض. ويقال: (رجلٌ دَنَفٌ، ودنِف، ومُدْنَف، ومدْنِف)؛ أي: براه المرضُ حتى أشفى على الموت. ويقال: (دِنفَت الشمس وأدْنَفَت): إذا دنت للمغيب أو أصفَّرَتْ.
وأراد في البيت: مداناة الشمس للغروب، فكأنها حينئذ كالشخص الدَّنِفِ، وهو استعارة انظر: "اللسان" ٣/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣ (دنف).
(١) انظر المعاني السابقة في مادة (شفا)، في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٠٢، "تفسير الطبري" ٤/ ٣٦ - ٣٧، "المخصص" ٩/ ٢٥، "اللسان" ٤/ ٢٢٩٤ - ٢٢٩٥.
(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد بنحوه عن السدي، في "تفسير الطبري" ٤/ ٣٨، "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٢٦.
(٣) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٤٦٤٣ (نقذ). نقله عنه بنصه.
(٤) هذا قول أبي عبيد، كما في المصدر السابق: ٤/ ٤٦٤٣ (نقذ).

صفحة رقم 476

(النقائِذ)، للخيل التي (١) تُنُقِّذَت مِن أيدي الناس (٢) وقوله تعالى: مِنْهَا.
الكناية (٣) راجعةٌ إلى النار، لا إلى الشَّفا؛ لأن القصد: الإنجاء مِن النَّارِ لا مِن شَفَا الحفرة. هذا قول الزجاج (٤).
وقال غيره (٥): الكِناية تعود إلى الحفرة، فإذا أنقذهم الله من الحفرة، فقد أنقذهم من شَفَاها؛ لأن شفاها منها. على أنه يجوز أن يُذكَر المضافُ، والمضافُ إليه، ثم تعود الكنايةُ إلى المضاف إليه دون المضاف، فذكر الشفا، وعادت الكناية إلى الحفرة. كقول (٦) جرير:

[أَرَى مَرَّ] (٧) السِّنِين أَخَذْنَ مِني كما أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ (٨)
(١) في (ب): (الذي)
(٢) قال ابن دريد: (وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس، فهو: (نقِيذ)، والجمع: (نقائذ). "الجمهرة" ٧٠٠.
(٣) أي: الضمير.
(٤) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٥١. وهو معنى قوله.
(٥) ممن قال بذلك: أبو عبيد، في "مجاز القرآن" ١/ ٩٨، والطبري، في "تفسيره" ٤/ ٣٧ - ٣٨.
(٦) من قوله: (كقول..) إلى (وكذلك شفا الحفرة): ساقط من: (ب).
(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.
(٨) البيت في ديوانه: ٣٤١. وقد ورد منسوبًا له، في "مجاز القرآن" ١/ ٩٨، ٢/ ٨٣، "الكامل" للمبرد: ٢/ ١٤١، "تفسير الطبري" ٤/ ٣٧، "الأصول في النحو" ٣/ ٤٧٨، "البحر المحيط" ٣/ ١٩، "الدر المصون" ٣/ ٣٣٧، "الدر اللوامع" ١/ ٢٠.
وورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٧، "المقتضب" ٤/ ٢٠٠، "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٤٩، "الصاحبي" ٤٢٣، "اللسان" ٢/ ١١٨٧ (خضع)، "همع الهوامع" ١/ ٤٧. =

صفحة رقم 477

فَذَكَرَ (مَرَّ السِّنِين)، ثم أخبر عن السنين.
وكذلك قول العَجَّاج:

طُولُ اللَّيالي أسرعت في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي (١)
= وروايته في الديوان وأكثر المصادر: (رأت مرَّ السنين..).
والسِّرَارُ: هي آخر ليلة من الشهر. ويقال: (سَرَرُ الشهر، وسَرارُه، وسِراره)، وهو مشتق من: (استسر القمرُ)؛ أي: خفي ليلة السرار، وقد يكون ذلك ليلةً، أو ليلتين. انظر: "الصحاح" ٦٨٢ (سرر).
قال الأستاذ محمود شاكر: (وأراد جرير بـ (السرار) -في هذا البيت-: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالًا، حتى يخفى في آخر ليلة، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما (السِّرَار) الذي شرحه أصحاب اللغة، فهو ليلة اختفاء القمر، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت). هامش "تفسير الطبري" ٧/ ٨٦ (ط. شاكر).
قال ابن السراج: (فقال (أخَذْنَ)، فردَه إلى السنين، ولم يرده إلى (مَرّ)؛ لأنه لا معنى للسنين إلّا مرُّها). "الأصول في النحو" ٣/ ٤٧٨.
(١) البيت من الرجز، في ملحق ديوانه (بعناية: وليم بن الورد، نشر ليبسك ١٩٠٣ م): ٨٠، مما نسب له.
وقد ورد منسوبًا له، في "كتاب سيبويه" ١/ ٥٣، "مجاز القرآن" ١/ ٩٩، "تفسير الطبري" ٤/ ٣٧، "المخصص" ١٧/ ٧٨.
وقد نسبته بعض المصادر للأغلب العجلي، ومنها: "المُعمِّرون" لأبي حاتم السجستاني (تح: عبد المنعم عامر، ط: البابي الحلبي - مصر ١٩٦١م) ١٠٨، و"الأغاني" ٢١/ ٢٨، "المقاصد النحوية" ٣/ ٣٩٥، "التصريح" للأزهري ٢/ ٣١، "خزانة الأدب" ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٦.
وورد غير منسوب، في "البيان والتبيين" للجاحظ: ٤/ ٦٠، وقال فيه: (ورأى معاويةُ هُزالَه وهو مُتَعر، فقال:..) وذَكَرَه. ولا يدلُّ هذا على أنه لمعاوية، بل قد يكون مما استشهد به من حفظه، وورده في "المقتضب" ٤/ ١٩٩، "الخصائص" ٢/ ٤١٨، "الأصول في النحو" ٣/ ٤٨٠، "الصاحبي" ٤٢٣، "مغني اللبيب" ٦٦٦=

صفحة رقم 478

وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه (١). فإن (مَرَّ السنين)، هو السنون. وكذلك (شَفَا الحفرة). فَذَكَرَ الشَّفَا وعادت الكناية إلى الحفرة (٢).
وقوله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ الكاف (٣) في موضع نصب (٤)؛ أي: مِثْلَ البَيَانِ الذي يُتلى عليكم، يُبَيِّنُ اللهُ لكم آياته لعلكم تهتدون؛ أي: لتكونوا على رجاء هدايته.

= (وانظر:"شرح شواهد المغني" ٨٨١)، "منهج السالك" ٢/ ٢٨٤.
وقد ورد برواية: (إن الليالي..) و (أرى الليالي..)، ولا شاهد فيه -هنا- على هاتين الروايتين. وورد: (مرُّ الليالي..).
وورد الشطر الثاني برواية: (نَقَّضن كلِّي ونقضن بعضي)، و (أخَذْنَ بعضي وتَرَكْنَ بعضي). والشاهد فيه: أنه تكلم عن (طول الليالي)، ولكن أخبر عن الليالي، حيث أنَّثَ (أسرعت)، و (طَوَيْنَ) مع أنه يعود على (طول) وهو مذكر؛ وذلك لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، وهو (الليالي)، وليس الطول شيئًا غيرها، فأخبر عنها، دون الطول.
(١) (إليه): ساقطة من: (ج).
(٢) وذهب أبو حيان إلى عَوْد الضمير على (الشفا)، وعلَّلَ قائلًا: (لأن كينونتهم على الشفا، هو أحد جزئي الإسناد، فالضمير لا يعود إلا عليه، وأما ذكر الحفرة فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها..) ثم أضاف: (وأما ذكر النار فإنما جيء بها لتخصيص الحفرة، وليست -ايضًا- أحد جزئي الإسناد [و] لا محَدّثا عنها، و -أيضًا- فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ منها لا يستلزم الإنقاذ من الشفا، فعَوْدهُ على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى). "البحر المحيط" ٣/ ١٩.
(٣) من قوله: (الكاف) إلى (هدايته): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٥١.
(٤) وفي هذه الحالة إما أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، أو تكون حالًا؛ أي: (يبيِّن بيانًا مثل ذلك البيان). أو: (يبيِّن لكم تبيينًا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة). انظر: "الفريد في إعراب القرآن" ١/ ٦١٢، "الدر المصون" ٣/ ٣٣٨.

صفحة رقم 479

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية