قوله عز وجل : واعتصموا بحبل الله جميعا
[ آل عمران : ١٠٣ ]
٧٧٢- حدثنا زكريا، قال : حدثنا ابن أبي عمر المكي، وإسحاق بن إبراهيم، ومخلد بن مالك، قالوا : حدثنا سفيان، قال : حدثنا جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن ابن مسعود في قوله عز وجل : واعتصموا بحبل الله جميعا ، قال : حبل الله : القرآن(١).
٧٧٣- حدثنا محمد بن علي الصائغ، قال : حدثنا سعيد، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوام، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال : حبل الله، هو الجماعة(٢).
٧٧٤- حدثنا النجار، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة : واعتصموا بحبل الله جميعا قال : بعهد الله وأمره(٣).
٧٧٥- حدثنا زكريا، قال : حدثنا إسحاق، قال : وحدثت عن ابن حيان، في قوله : واعتصموا بحبل الله جميعا ، يقول : اعتصموا بأمر الله، وطاعته جميعا، ولا تفرقوا.
قوله عز وجل : ولا تفرقوا [ آل عمران : ١٠٣ ]
٧٧٦- حدثنا محمد بن علي الصائغ، قال : حدثنا أحمد بن شبيب، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله : ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم قد كره إليكم الفرقة، وقدم إليكم فيها، وحذرك موها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله(٤).
قوله عز وجل : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم [ آل عمران : ١٠٣ ]
٧٧٧- أخبرنا النجار، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال : لقي النبي صلى الله عليه و سلم نفرا من الأنصار(٥)، فآمنوا به وصدقوه، وأرادوا أن يذهب معهم، فقالوا : يا رسول الله إن بين قومنا حربا، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد، فواعدوه العام المقبل، فقالوا : نذهب يا رسول الله، فلعل الله أن يصلح تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح، وهي يوم بعاث، فلقوه من العام المقبل سبعين رجلا قد آمنوا به، فأخذ منهم النقباء، اثني عشر رجلا، فذلك حين يقول : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم (٦).
٧٧٨- حدثنا زكريا، قال : حدثنا إسحاق، قال : وحدثت عن ابن حيان، في قوله : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهلية فألف بين قلوبكم في الإسلام فأصبحتم بنعمته برحمته يعني : بالإسلام إخوانا والمؤمنون إخوة وكنتم على شفا حفرة من النار ، يقول : كنتم مشركين في جاهليتكم، الميت في النار، والحي على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله من الشرك إلى الإيمان.
بلغني – والله أعلم- أن هذه الآية أنزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في رجلين، أحدهما : من الخزرج، والآخر : من الأوس، اقتتلوا في الجاهلية زمانا طويلا، فقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة، فأصلح بينهم. فجرى الحديث بينهما في المجلس، فتفاخروا. فقال بعضهم : أما والله لو تأخر الإسلام قليلا، لقتلنا سادتكم، ونكحنا نساءكم. قال الآخرون : قد كان الإسلام مستأخرا زمانا طويلا فهلا فعلتم ذلك ؟ !. فنادوا عند ذلك بالأشعار، وذكروا القتل فتفاخروا، واستبوا حتى كان بينهم، فغضبت الأوس والخزرج إلى الخروج، ودنا بعضهم من بعض.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فركب إليهم – وقد أشرع بعضهم الرماح إلى بعض – فنادى النبي صلى الله عليه و سلم بأعلى صوته، واطلع عليهم وتلا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته حتى بلغ إلى آخر الآيات. يقول : حق تقاته أن تطيعوه فلا تعصوه في شيء، فذلك حق الله على العباد، فلما سمعوا ذلك كف بعضهم عن بعض، وتناول بعضهم خدود بعض بالتقبيل.
٧٧٩- حدثنا محمد بن علي، قال : حدثنا أحمد بن شبيب قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، وقوله عز وجل : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم إذ كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم، أما والله – الذي لا إله إلا هو – إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب(٧).
ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه و سلم كان يقول : والذي نفس محمد بيده لا يتواد رجلان في الإسلام، فيفرق بينهما أول من ذنب يحدثه أحدهما، وإن أرداهما المحدث.
قوله عز وجل : فأصبحتم بنعمته إخوانا [ آل عمران : ١٠٣ ]
٧٨٠- حدثنا محمد بن علي، قال : حدثنا أحمد بن شبيب، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله فأصبحتم بنعمته إخوانا ذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود : كيف أصبحتم ؟ قال : أصبحنا بنعمة الله إخوانا(٨).
قوله عز وجل : وكنتم على شفا حفرة من النار الآية
[ آل عمران : ١٠٣ ]
٧٨١- حدثنا محمد بن علي، قال : حدثنا أحمد بن شبيب، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها الآية. كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكتوفين(٩) على رأس حجر بين الأسدين : فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ شيء يحسدون عليه. من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات ردي في النار(١٠)، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا أصغر فيها خطرا، وأرق فيها شأنا، منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووسع لكم به الرزق، وجعلكم ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمة الله، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى(١١).
٧٨٢- أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا الأثرم، عن أبي عبيدة : شفا حفرة من النار أي : حرف، مثل شفى الركية(١٢) حروفها فأنقذكم منها ترك ( شفا ) ووقع التأنيث على حفرة وتصنع العرب مثل هذا كثيرا(١٣). قال جرير :
| رأت مر السنين أخذن مني | كما أخذ السرار(١٤) من الهلال(١٥) |
| طول الليالي أسرعت في نقضي | طوين طولي وطوين عرضي(١٦) |
٢ - أخرجه سعيد بن منصور (٥٢٠)، وابن جرير (٧/٧١ رقم ٧٥٦٢) وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/٧٢٣ رقم ٣٩١٦)..
٣ - أخرجه عبد الرزاق في التفسير (١/١٣٤ رقم ٤٤٢) وابن جرير (٧/٧١ رقم ٧٥٦٥) وابن أبي حاتم (٣/٧٢٤ رقم ٣٩١٩)..
٤ - أخرجه ابن جرير (٧/٧٤ رقم ٧٥٧٥)..
٥ - في تفسير الإمام ابن جرير الطبري أن الذي لقي النبي صلى الله عليه و سلم «ستة نفر من الأنصار» (٧/٨١، رقم: ٧٥٨٧)..
٦ - أخرجه ابن جرير (٧/٨١ رقم ٧٥٨٧)..
٧ - أخرجه ابن جرير (٧/٧٧ رقم ٧٥٨٢)..
٨ - أخرجه ابن جرير (٧/٨٥ رقم ٧٥٩٠)..
٩ - في الأصل ( معكومين) وما أثبته هو الصحيح يقال: كعم فم البعير وغيره: شد فاه في هياجه لئلا يعض. حاشية الشيخ محمود شاكر على تفسير ابن جرير(٧/٨٨)..
١٠ - ردي في النار: ألقي فيها..
١١ - أخرجه ابن جرير (٧/٨٧ رقم ٧٥٩١)..
١٢ - الركية: البئر. (القاموس – مادة ركى- ١٦٦٤)..
١٣ - مجاز القرآن: (١/٩٨-٩٩)..
١٤ - السرار: آخر ليلة من الشهر. (مختار الصحاج – مادة: سرر – ص ٢٩٥). وأراد جرير بالسرار في هذا البيت : نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالا، حتى يخفى في آخر الليلة، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما «السرار » الذي شرحه أصحاب اللغة فهو ليلة اختفاء القمر. وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت، كما أفاد ذلك الشيخ محمود شاكر على حاشية ابن جرير (٧/٨٦)..
١٥ - ديوان جرير (ص ٣٤١)..
١٦ - البيت من أرجوزة رؤبة بن العجاج. ديوان رؤبة (ص ٨٠)..
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر