المعنى الجملي : بعد أن أمر الله سبحانه المؤمنين فيما سلف بتكميل أنفسهم وتزكيتها مما يشوبها من الأدناس و الأرجاس بالعمل بتقوى الله و المحافظة على إخلاص الوجه له حتى الممات والاعتصام بحبله المتين بأتباع كتابه، والجري على سنة رسوله، إذا اختلفت الأهواء، وتضاربت الآراء.
أمرهم هنا بتكميل غيرهم من أفراد الأمة وحثهم على إتباع أوامر الشريعة، وترك نواهيها تثبيتا لهم جميعا على مراعاة ما فيها من الأحكام والمحافظة على ما فيها من الشرائع و النواميس وأن يكون في نفوس أفرادها من حب الخير والحدب على ما فيه المصلحة لمجموعها، ما يكون لحب الفرد لمصلحته وبذا تكون بينهم رابطة تجمعهم في طلاب الخير لهم جميعا حتى تكون الأمة كأنها جسد واحد كما ورد في الحديث :" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " رواه مسلم.
وروى البخاري وغيره حديث :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ".
و الحفاظ لوحدة الأمة ومناط بقاء جامعتها- أمر بعض أفرادها بعضا بالاستمساك بالخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
ابيضاض الوجوه : عبارة عن المسرة، واسودادها عبارة عن المساءة، وعلى هذا جاء قوله : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( النحل : ٥٨ )
ثم ذكر زمان ذلك العذاب فقال :
يوم تبيض وجوه و تسود و جوه أي فاذكروا يوم تبيض وجوه و تسرّ لما تعلم من حسن العاقبة و تسودّ وجوه لما ترى من سوء العاقبة، و ما يحل بها من النكال والوبال.
و نحو الآية قوله : ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ( عبس : ٤٠-٤١ ) ) و قوله وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ( يونس : ٢٧ ) و قوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( القيامة : ٢٢-٢٣ ) و في الحديث " إن أمتي يحشرون غرا محجلين من آثار الوضوء "
و استعمال البياض في السرور و السواد في الحزن عرف شائع لدى كل ناطق بالضاد و لا سيما وصف الكاذب بسواد الوجه كما قال شاعرهم :
فتعجبوا لسواد وجه الكاذب
و الخلاصة أن هؤلاء المختلفين المتفرقين لهم عذاب عظيم في هذا اليوم كما تظاهرت على ذلك الآيات و الأحاديث كما يكون لهم مثل ذلك في الدنيا إذ هم لاختلاف مقاصدهم لا يتناصرون و لا يتعاونون و لا يأبهون بالأعمال التي فيها شرف الملة و عز الأمة فتسود وجوههم بالذل و الكآبة حين يجنون ثمار أعمالهم و عواقب تفرقهم و اختلافهم بقهر الغاصب لهم و انتزاعه السلطة من أيديهم و التاريخ و المشاهدة شاهدا صدق على هذا
أما المتفقون الذين اعتصموا و اتفقوا على الأعمال النافعة لخير الأمة و عزها و أصبح كل واحد منهم عونا للآخر و ناصرا له فأولئك تبيض وجوههم و تتلألأ بهجة و سرورا حين تظهر لهم آثار اتفاقهم و اعتصامهم بوجود السلطان و العزة و الشرف و ارتفاع المكانة بين الأمم.
ثم فصل سبحانه أحوال الفريقين فقال فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أي فأما الذين تفرقوا و اختلفوا فاسودت وجوههم فيقال لهم هذا القول في الدنيا و الآخرة أما في الدنيا فلابد أن يوجد في الناس من يقول للأمة التي وقع فيها هذا الاختلاف مثل هذا القول تغليظا لها لأن عملها لا يصدر إلا من الكافرين و أما في الآخرة فيوبخهم الله تعالى بمثل هذا السؤال
و قد جرى عرف القرآن أن يعد المتفرقين في الدين من الكفار و المشركين كما جاء في قوله : و لا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ( الروم : ٣١-٣٢ ) و قوله إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شيء ( الأنعام : ١٥٩ ).
و كذلك يعد الخروج عن مقاصد الدين الحقيقية من الكفر لأن الإيمان اعتقاد و قول و عمل و هو ذو شعب كثير من أجلها تحري العدل و اجتناب الظلم فمن استرسل في الظلم كان كافرا كما قال تعالى و الكافرون هم الظالمون ( البقرة : ٢٥٤ ).
وكذلك من ترك الاتحاد والوفاق و الاعتصام بحبل الدين كان من الكافرين بعد الإيمان.
تفسير المراغي
المراغي