وقد فسَّرنا الْبَيِّنَاتُ في مواضع (١).
١٠٦ - قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ انتصاب اليوم على الظرف، والعامل فيه معنى قوله: لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ أي: يثبت لهم العذاب يوم تبيض وجوه، و (٢) يعذبون يوم تبيض وجوه (٣).
ومعنى ابيضاض الوجوه: إشراقها (٤) واستنارتها وسرورها واستبشارها (٥)؛ لما تصير إليه من ثواب الله ورحمته؛ كقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢]، وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس: ٣٨ - ٣٩].
ومعنى اسْوِدادِها: حزنها، وكآبتها، وكسوفها؛ لما تصير إليه من العذاب؛ كقوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ [عبس: ٤٠]، وقوله تعالى: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧].
قال ابن عباس في رواية عطاء (٦): تبيض وجوه المهاجرين
(٢) في (ج): (أو). بدلا من: (و). و (أو) أولى هنا من (و)؛ لما تتضمنه من معنى المغايرة.
(٣) أو يكون منصوبًا بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم... انظر: "البيان" للأنباري ١/ ٢١٤، "التبيان" (٢٠٣)، "محاسن التأويل" للقاسمي ٤/ ٩٣٣.
(٤) في (ج): (وإشراقها). ومن قوله: (إشراقها..) إلى (عليها غبرة): موجود بمعناه في "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٥٢.
(٥) (سرورها واستبشارها): ساقط من (ج).
(٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية وقد أورد الثعلبي والقرطبي هذا القول وعزواه لعطاء دون رفع لابن عباس. انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ٩٦ ب، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٦٧.
والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير والذين كذبوا بمحمد - ﷺ -.
وقال في رواية سعيد بن جبير (١): تَبْيَضُّ وجوهُ أهل السُنَّة، وتَسْوَدُّ (٢) وجوهُ أهل البدعة.
وقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ قال الفرَّاء (٣) والزجاج (٤): جواب (أمَّا) محذوفٌ مع القول، وهو: [الفاء] (٥) مع قولٍ مُضمَرٍ، فلما سقط القول، [سقط] (٦) الفاء معه (٧)، والمعنى:
(فيقال لهم: اكفرتم بعد إيمانكم؟)، وحَذَف القولَ؛ لأن في الكلام دليلًا عليه.
ومثله كثير في التنزيل؛ كقوله: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ (٨)، وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ
(٢) في (ج): (وتبيض).
(٣) في "معاني القرآن" له: ١/ ٢٢٨.
(٤) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٥٤.
وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢١١، "تفسير الطبري" ٤/ ٤٠، "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: ١/ ٣٨، "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٤٥٧. "الصاحبي" ٣٩٠، "الإكسير في علم التفسير" للطوفي ١٨٥، ١٩٣، "ارتشاف الضرب" ٢/ ٦٣، ٥٧٠، ٣/ ١٥١.
(٥) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): ساقط. والمثبت من: (ج).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي "معاني القرآن" للفراء: سقطت.
(٧) انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" ٢/ ٨٣٤.
(٨) سورة الرعد: ٢٤. وتمامها: {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. والمعنى: يقولون: سلامٌ عليكم.
رَبَّنَا} (١)، وقوله: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا (٢) الآية.
وقوله تعالى أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يعني: اليهود؛ شهدوا لمحمد عليه السلام (٤) بالنُّبُوَّةِ، فَلمَّا قَدِمَ عليهم كذَّبوه وكفروا به. وهذا قول عكرمة (٥) واختيار الزجاج (٦).
وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم (٧).
وقد روي عن النبي - ﷺ - مرفوعًا في قوله: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ؛ أي:
(٢) سورة السجدة: ١٢. وتمامها: أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ. والمعنى: يقولون: ربنا..
(٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٤) في (ب): (صلى الله عليه وسلم).
(٥) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٩٧ - ب، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٦٧، وأروده السيوطي في "الدر" ٢/ ١١٢ ونسب إخراجه للفريابي، وابن المنذر.
(٦) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٥٥.
(٧) أورده بهذا النص الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٩٧ ب. وهو معنى قول قتادة الذي أخرجه الطبري في "تفسيره" ٤/ ٤٠، ونصه عنه -بعد أن قرأ الآية-: (لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن النبي - ﷺ - كان يقول: "والذي نفس محمد بيده، لَيَرِدنَّ عليَّ الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رُفِعوا إليَّ ورأيتهم، اختُلِجوا مِن دوني، فلأقولن: ربِّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنَّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
وقد ذكر الثعلبي هذا النص الذي أخرجه الطبري مستدلًا به على معنى قول قتادة الذي ذكره، قائلًا: (ودليل هذه التأويلات) ثم أورد الخبر السابق.
وأورد -كذلك- قول قتادة -كما هو عند المؤلف-: البغوي في "تفسيره" ٢/ ٨٨ وابن الجوزي في الزاد: ١/ ٤٣٦. وانظر هذا الخبر وأحاديث أخرى نحوه في "لوامع الأنوار" للسفاريني: ٢/ ١٩٧.
بعد الإقرار بالميثاق الأول (١).
أخبرنا أبو علي ابن أبي القاسم المذكِّر (٢)، أبنا محمد بن حمدوية النيسابوري (٣)، [حدَّثنا علي بن حَمْشَاذ (٤)، ثنا حُمَيد بن حَكيم الدقَّاق (٥)، ثنا عباس بن الوليد الخلَّال (٦) (٧)، ثنا] (٨) أبو صفوان، القاسم بن [يزيد
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعَيم الضَّبِّي الطهماني، الحاكم النيسابوري، المعروف بـ (ابن البَيِّع). ولد سنة (٣٢١ هـ)، الإمام الجليل الحافظ المتفق على جلالة قدره، صاحب "المستدرك على الصحيحين"، و"معرفة علوم الحديث" وغيرها من التصانيف الكثيرة. توفي سنة (٤٠٥ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" ٥/ ٤٧٣، "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٦٢، "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ١٩٨، "لسان الميزان" ٦/ ٢٥٠.
(٤) هو: أبو الحسن، علي بن حمشاذ بن سختويه بن نصر النيسابوري. ولد سنة (٢٨٥ هـ)، إمام عدل ثقة حافظ عابد. قال عنه الحاكم: (ما رأيت في مشايخنا أثبت في الرواية والتصنيف من علي بن حمشاذ). توفي سنة (٣٣٨ هـ). انظر: "تاريخ الإسلام" ٢٥/ ١٦٥وفيات (٣٣١ - ٣٥٠ هـ)، "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٣٩٨، "تذكرة الحفاظ" ٣/ ٨٥٥، "شذرات الذهب" ٢/ ٣٤٨.
(٥) لم أقف له على ترجمة، إلّا ما ورد في (ذيل ميزان الاعتدال)، للحافظ العراقي، حيث قال: (حُمَيد بن حَكِيم. حديثه في سنن الدارقطني، قال ابن القطان: لا تُعرف حاله). الذيل: ٢٠٣.
(٦) هو: أبو الفضل، عباس بن الوليد بن صُبْح الخلال السُلَمي الدمشقي. قال ابن حجر: (صدوق)، ووثقه ابن حبان، قال أبو داود: كان عالما بالرجال والأخبار، لكنه لم يحدث عنه. توفي سنة (٢٤٨ هـ). انظر: "الجرح والتعديل" ٦/ ٢١٥، "الميزان" ٣/ ١٠٠، "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٩٥،
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٨) ما بين المعقوفين ليس في (أ)، وجاء فيه: (ثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد العامري، ثنا يحيى بن كثير أبو النضر، ثنا عاصم.
العامري] (١)، ثنا يحيى بن كثير، أبو النضر (٢)، ثنا عاصم الأحول (٣) وداود بن أبي هند (٤)، عن أبي العالية الرِّيَاحِي، قال:
قال أُبَيُّ بن كعب (٥):
(٢) في (ب): ثنا أبو النصر. في (ج): أبو النصر. عَدّه ابنُ حجر مِن الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، شيعي، قال ابن حجر: (ضعيف)، وقال أبو حاتم: (ضعيف ذاهب الحديث جدًا)، وقال الدارقطني: (متروك).
انظر: "المجروحين" لابن حبان: ٣/ ١٣٠، "ميزان الاعتدال" ٦/ ٧٧، "المغني في الضعفاء" ٢/ ٤١٠"التقريب" ص٥٩٥ (٧٦٣١).
(٣) هو: أبو عبد الرحمن، عاصم بن سليمان الأحول، البصري. تابعي، ثقة حافظ، توفي بعد سنة (١٤٠ هـ). انظر: "الجرح والتعديل" ٦/ ٣٤٣، "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٥٢.
(٤) هو: أبو بكر أو أبو محمد، داود بن أبي هند - (دينار) - القُشَيري بالولاء، البصري- تابعي، ثقة متقن، إلا أنه يهم إذا حدّث مِن حِفْظِه، توفي سنة (١٤٠هـ). انظر: "الجرح والتعديل" ٣/ ٤١١، "ميزان الاعتدال" ٢/ ٢٠١، "تهذيب التهذيب" ١/ ٥٧٢، "التقريب" ص٢٠٠ (١٨١٧).
(٥) هو: أبو المنذر، أبَيُّ بن كعب بن قيس، الأنصاري الخزرجي. ويكنى بـ (أبي الطفيل) -أيضًا-، من فضلاء الصحابة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، سيد القراء، وأحد كتَّاب النبي - ﷺ -، توفي سنة (٢٢ هـ)، وقيل: (٣٠ هـ) ورجحه ابن الأثير.
انظر: "المعارف" لابن قتيبة: ٢٦١، و"أسد الغابة" ١/ ٦١، "صفة الصفوة" ١/ ٢٤٥، "الإصابة" ١/ ١٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي