ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)
ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة، واسودادها عن الغم.
وعلى ذلك (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)، ثم قال: (مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ).

صفحة رقم 781

وعلى ذلك قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ).
وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين.
وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس.
لكونه حقيقة فيه، وهذا خطأ، وذلك لأنه لم يعلم
أن ذلك حقيقة فيهما جميعاً، فليس الاسوداد والابيضاض
أكثر من كيفية عارضة في الوجه، قلّ ذلك أم كثر،

صفحة رقم 782

ومعلوم أن من ناله غمّ شديد يعرض لوجهه - لتبرّمه وتكدره -
اسوداد في وجهه، وليس قلّة السواد والبياض مما يخرج اللفظ
عن الحقيقة، ثم حمل الآية على هذا أولى، لأن ذلك حاصل لأهل
القيامة باتفاق، سواء كانوا في الدنيا سودانا أو بيضانا، وعلى
ذلك (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ).
وأما كفرهم بعد إيمانهم فقد قال الحسن: بعد إظهارهم الإِيمان بالنفاق)، وقال قتادة: كفروا بالارتداد بعد

صفحة رقم 783

الإسلام، وقيل: بعد الإِقرار الذي اقتضاه قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
وقيل: كفروا بالنبي - ﷺ - بعد أن أقرّوا به قبل
بعثته، وعموم اللفظ يقتضي كل ذلك، ولا تنافي بينها.
وقوله: (أَكَفَرْتُمْ) تقديره: فيقال لهم: أكفرتم؟، وحذف القول
من نحو ذلك كثير نحو: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ).
وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)

صفحة رقم 784

أي يقولون، ولما حذف الفعل حذف معه الفاء
الذي يكون جواب أما، ويوم ظرف لقوله عظيم، ولا يكون
عند البصريين ظرفاً لقوله عذاب، لأن الاسم إذا وُصِف لا يعمل
عندهم.
إن قيل: لِمَ كرر لفظة (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)؟
قيل: قال بعض النحويين: إن ذلك للتأكيد.
وتمكين المعنى في النفس، وقيل: (قوله: (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) تمام
الكلام، و (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تنبيهاً أن ذلك لهم مؤبدا،

صفحة رقم 785

وقيل: قوله: (هُمْ فِيهَا) راجع إلى مقتضى قوله: (ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ) وهو المسرة، تنبيها أن تلك المسرة دائمة لا كمسرّات الدنيا التي تنقطع.
وإن بقيت أسبابها. فأحوال الدنيا وإن كانت سارة متبرم منها بدوامها.
ولهذا قيل: لَلعافية تمُل أكثر مما يُملُّ البلاء.
إن قيل: المقابلة في الاثنين غير صحيحة، فإن التقابل الصحيح أن يكون المذكور في الثانية عكس المذكور في الأولى، وليس قوله: (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) عكسا لقوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)؟
قيل: مراعاة التقابُل على ضربين: تقابل اللفظ، وتقابل المعنى.
وهو أفضلهما عند أصحاب المعاني.
فالتقابل حاصل من حيث المعنى، وعدل عن لفظ الخبر في قوله:
(أَكَفَرْتُمْ) وقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) إشارة إلى ما يقال لهم،

صفحة رقم 786

ونبّه أنهم يُقابلون مع العقوبة بالتبكيت، وقد قيل: التبكيت
أعظم العقوبتين، وأن يقال لهم: (ذوقوا)، وذلك دلالة على مبالغة
الغضب عليهم.
إن قيل: كان الوجه أن يقال: ألستم قد كفرتم؟
فلفظ الاستفهام في القرآن محمول على الإِنكار، والإِنكار متى تجرد
عن حرف النفي يكون للنفي نحو قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) وإذا
كان للإِثبات قرن به حرف النفي؟
قيل: الألف في الأصل للاستخبار، والاستخبار أعمّ من الاستفهام.
وكل استفهام استخبار، وليس كل استخبار استفهاماً.
والمستخبر قد يقصد إلى أخذ إقرار المستخبر أو إلى إلجائه إلى الإِقرار بما ينكره، وقوله: (أَكَفَرْتُمْ) استخبار على هذا الوجه، وتقريع لهم، وعلى ذلك

صفحة رقم 787

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية