نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:الآية الخامسة : قوله تعالى : إذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ : رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا في بَطْني مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي، إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
فيها عشر مسائل :
المسألة الأولى : في حقيقة النَّذْر، وهو التزام الفِعْل بالقول مما يكونُ طاعة للهِ عزّ وجل، من الأعمال قُرْبة.
ولا يلزم نَذْر المباح. والدليل عليه ما روي في الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا إسرائيل قائماً : فسأل عنه فقالوا : نذر أن يقومَ ولا يقعد ولا يستظلّ ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«مروه فليَصُم وليقعد وليستظل » ؛ فأخبره بإتمام العبادة ونهاه عن فِعْل الْمُباح.
وأما المعصية فهي ساقطة إجماعاً ؛ ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«مَنْ نذر أن يُطيع الله فليطِعْه، ومن نذر أن يعصيَ الله فلا يَعْصِه ».
المسألة الثانية : في تعليق النَّذْر بالحمل :
اعلموا - علمكم الله - أنَّ الحمل في حيِّز العدم ؛ لأنَّ القضاء بوجوده غير معلوم لاحتمال أن يكون نفخ في البطن لعلَّة وحركة خلط يضطرب، وريح ينبعث، ويحتمل أن يكون لولد ؛ وقد يغلب على البطن كلُّ واحد منهما في حالة، وقد يشكل الحال ؛ فإن فرضنا غلبة الظنّ في كونه حملاً فقد اتفق العلماءُ على أنَّ العقودَ التي تَرِدُ عليه وتتعلَّق به على ضَرْبَين :
أحدهما : عقد معاوضة.
والثاني : عقد مُطْلَق لا عوضية فيه.
فأما الأول - وهو عَقْد المعاوضة - فإنه ساقط فيه إجماعاً، بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن بَيْع حَبَل الْحَبلة ».
والحكمةُ فيه أنَّ العقدَ إذا تضمَّنَ العوَض وجب تنزيههُ عن الجهالة والغَرَر في حصول الفائدة التي بذل المرءُ فيها ماله، فإذا لم يتحقَّقْ حصولُ تلك الفائدة كان مِن أكل المال بالباطل.
وأما الثاني : وهو العقد المطلق المجرَّدُ من العِوَض كالوصية والهِبَة والنذْرِ فإنه يرِدُ على الحمل ؛ لأنَّ الغرر فيه مُنْتف إذ هو تبرُّع مجرّد ؛ فإن اتفق فيها ونعمت، وإن تعذّر لم يستضر أحَد.
المسألة الثالثة : في معنى الآية :
قال علماؤنا : كان لعمران بن ماثان ابنتان : إحداهما حِنّة والأخرى يلمشقع، وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود عليه السلام، وكان في ذلك الزمان لا يحرَّرُ إلا الغِلْمان، فلما نذرت قال لها زوجها عمران : أرأيتك إن كان ما في بطنك أنثى كيف نفعل ؟ فاهتمّت لذلك فقالت : إني نذرتُ لك ما في بطني محرَّراً، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. وذلك لأنها كانت لا ولدَ لها، فلما حملَتْ نذرت إن اللهُ أكْمَلَ لها الْحَمْلَ ووضعته فإنه حَبْسٌ على بيت المقدس.
المسألة الرابعة : قال أشهب عن مالك : جعلَتْه نَذْراً تفي به. قالوا : فلما وضَعَتْها ربَّتْها حتى ترعرعَتْ، وحينئذ أرسلَتْها.
وقيل :«لفَّتْها في خِرَقِها وقالت : رَبِّ إني وضعتُها أنثى، وليس الذكَرُ كالأنثى، وقد سَمَّيْتُها مَرْيم، وإني أعيذُها بك وذرِّيَّتَها من الشيطان الرجيم، وأرسلَتْها إلى المسجد وفاءً بنذرها، كما أشار إليه مالك، وتبريّاً منها حين حررَتْها للهِ، أي خلصتها.
والمحرر والحرّ : هو الخالص من كل شيء.
المسألة الخامسة : لا خلاف أنَّ امرأةَ عمران لا يتطرَّقُ إلى حملها نذر لكونها حُرّةً، فلو كانت امرأتُه أَمَةً فلا خلافَ أنَّ المرء لا يصحُّ له نَذْر ولده كيف ما تصرفَتْ حاله ؛ فإنه إنْ كان الناذر عَبْداً لم يتقرر له قولٌ في ذلك، وإن كان الناذرُ حرّاً فولدُه لا يصحُّ أن يكونَ مملوكاً له ؛ وكذلك المرأة مثله ؛ وأي وَجْه للنذر فيه ؟
وإنما معناه - والله أعلم - أنَّ المرء إنما يريد ولدَه للأنس به والاستبصار والتسلّي والمؤازرة ؛ فطلبت المرأةُ الولدَ أُنساً به وسكوناً إليه، فلما مَنَّ الله تعالى عليها به نذرت أنَّ حظَّها من الأُنس به متروكٌ فيه ؛ وهو على خدمة الله تعالى موقوف. وهذا نذْرُ الأحرارِ من الأبرار، وأرادَتْ به محرّراً من جهتي، محرراً من رِقِّ الدنيا وأشغالها. فتقبَّلْه مِنّي.
وقد قال رجل من الصوفية لأمّه : يا أمّاه ؛ ذَرِيني لله أتعبّد له وأتعلَّم العلم. فقالت : نعم، فسار حتى تبصّر ثم عاد إليها فدقّ الباب، فقالت : مَنْ ؟ قال : ابنك فلان. قالت : قد تركناك لله ولا نعوذ فيك.
المسألة السادسة : قوله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى .
يحتمل أن تُرِيدَ به في كونها تحيض ولا تَصْلُحُ في تلك الأيام للمسجد. ويحتمل أن تريد بها أنها امرأة فلا تصلُح لمخالطة الرجال ؛ وعلى كلّ تقدير فقد تبرَّأتْ منها، ولعلَّ الحجابَ لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام.
وفي صحيح الحديث :«أنَّ امرأة سوداء كانت تَقُمّ المسجد على عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلم ». وفيه اختلافٌ في الرواية كثير.
المسألة السابعة : رواية أشهب عن مالك تدلُّ على أنَّ مذهبَه التعلّق بشرائع الماضين في الأحكام والآداب ؛ وقد بيّناه في أصول الفقه.
المسألة الثامنة : لو صح أنها أسْلَمَتْها في خِرَقِها إلى المسجد فكفَلَها زكريّا لكان ذلك في أنَّ الحضانة حَقٌّ للأم أصلاً.
وقد اختلفت فيه روايةُ علمائنا على ثلاثة أقوال : أحدها أنَّ الحضانةَ حقٌّ لله سبحانه. الثاني : أنها حقٌّ للأم. الثالث : أنها حقٌّ للولد. وقد بيناه في مسائل الفروع بواضح الدليل.
المسألة التاسعة : على أيّ حال كان القول والتأويل فإنَّ الآية دليلٌ على جواز النذْرِ في الْحَمْلِ، وكل عقد لا يتعلق به عوض بدليل إجماعهم على نفوذ العتْق فيه، والنذْرُ مثله.
المسألة العاشرة : فال بعضُ الشافعية : الدليل على أنَّ المطاوِعَة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساوِيه في وجوب الكفّارة عليهم قوله تعالى : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى .
قال القاضي ابنُ العربي : وعجباً لغَفْلَتِه وغَفْلة القاضي عبد الوهاب عنه حين تكلم عليه وحاجّه فيه، وهذا خَبرٌ عن شَرْع مَنْ قبلنا ؛ ولا خلافَ بين الشافعية عن بكْرَة أبيهم أنَّ شرعَ من قبلنا ليس شرعاً لنا، فاسكُتْ واصمت. ثم نقول لأنفسنا : نحن نعلم من أصول الفِقْهِ الفَرْقَ بين الأقوال التي جاءت بلفظ العموم وهي على قصد العموم، والتي جاءت بلفظ العموم وهي على قَصْد الخصوص. وهذه الصالحةُ إنما قصدَتْ بكلامها ما تشهدُ له بينةُ حالها ومقطعُ كلامها ؛ فإنها نذَرتْ خِدْمَة المسجد في ولدها، ورأته أنثى لا تصلُح أن تكونَ بَرْزَة، وإنما هي عَوْرَة ؛ فاعتذرَتْ إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدَتْه فيها، وقد بينَّا في أصول الفقه العمومَ المقصودَ به العموم وغيره، وساعدنا عليه ابن الجويني، وحققناه ؛ فلينظر هنالك.
المسألة الحادية عشرة : قالت : إني أعيذُها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، فكانت المعاذةُ هي وابنها عيسى، فيها وقع القبولُ من جملة الذرية، وهذا يدلُّ على أن الذرية قد تقعُ على الولد خاصة، وقد بينّا ذلك في مسألة العقب من الأحكام. وفي سورة الأنعام. والله أعلم.
أحكام القرآن
ابن العربي