ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

وقوله تعالى على لسان امرأة عمران وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى لم يرد في سياق التنقيص من المرأة أو الحط منها، بل إن السياق العام الذي جاءت فيه نفس هذه الآية هو على العكس من ذلك سياق تكريم للمرأة وتمجيد لها في شخص امرأة عمران أم مريم، وفي شخص مريم أم عيسى، فهذا الربع كله تقريبا يتحدث في شخصهما عن الدرجة العليا عند الله والمكانة المرموقة عند الناس، اللتين تستطيع أن تصل إليهما المرأة، متى التزمت في سلوكها سيرة التقوى وطريق الصلاح.
وإذن فالمراد من آية وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى إنما هو مجرد تقرير حقيقة فطرية وطبيعية، هي أن الله تعالى خلق الذكر لأمر، وخلق الأنثى لأمر آخر، وليس كل ما يمكن القيام به لأحدهما ممكنا للثاني، فطبيعتهما مختلفة، ومهمتهما متنوعة، وهما عنصران متكاملان، بحيث لا يكمل الذكر إلا بالأنثى، ولا تكمل الأنثى إلا بالذكر.
وهذا التكامل الضروري بينهما، الذي يحتاج إليه كل منهما يشمل جميع الجوانب، ولاسيما الجانب النفسي، والجانب الخلقي، والجانب الاجتماعي والتربوي الذي يرتبط به مصير النوع الإنساني عموما، ومصير الأسرة على الخصوص يَاَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا، وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراَ وَنِسَاءً - وَمِن آيَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسكُمُ أَزوَاجاً لِّتَسكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةً ورَحمَةً ومن هنا نستطيع أن نستشف ونكتشف سر الحكمة الإلهية في تكوين الأنثى تكوينا عضويا مختلف للتكوين العضوي الذي عليه الذكر، وذلك حتى يؤدي كل منهما في الحياة الوظيفة المعينة التي خصص لأدائها من عند الله.
ولو لم تكن في هذا التنويع حكمة مقصودة على الدوام والاستمرار، ولو كان الغرض إنشاء نوع متساو للقيام بوظائف عضوية واجتماعية واحدة لا تنويع فيها ولا اختلاف، لما عملت القدرة الإلهة على تصميم النوع الإنساني تصميما مختلفا، وعلى تكوين صنفين متغايرين من هذا النوع، هما نوع الذكر ونوع الأنثى، ولكان الإنسان كله إما ذكرا دون أنثى، أو أنثى دون ذكر، وهذا ما يخالف الفطرة ويناقض الحكمة تماما.
وقوله تعالى حكاية عن امرأة عمران بعدما وضعت ابنتها مريم وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ( ٣٦ ) فيه إشارة إلى ما ينبغي للأبوين من تحصين وليدهما بالدعاء الصالح والتوجيه الصالح، ابتداء من ساعة خروجه من بطن أمه، بحيث تكون تلك الفترة فترة ابتهاج وشكر لله، من جهة، وفترة ابتهال إلى الله ودعاء، من جهة أخرى.
وقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه ) الحديث. ثم يقول أبو هريرة :( واقرؤوا إن شئتم : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ).

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير