ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

وقوله تعالى: فَتَقَبَّلْ مِنِّي. معنى التَّقَبُّلِ (١): أخذُ الشيءِ على الرِضى (٢) به (٣). وأصله، من: المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء ما يؤخذ.
وقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ. أي: لدعاي (٤). الْعَلِيمُ بما في قلبي.
٣٦ - قوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتهَا. قال المفسرون (٥): هلك عمرانُ أبو مريمَ، وامرأته (حَنَّة) حاملٌ (٦) بمريمَ، فَلَمَّا وَضَعَتهَا أي: ولدتها. و (الهاء): راجعة إلى مَا، في قوله: نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي، و (ما)

(١) (معنى التقبل): ساقط من (ج).
(٢) في (ج)، (د): (الرضا). والأصل في كتابتها أن ترسم بالألف الممدودة؛ لأنها اسم ثلاثي منقلب ألفه عن واو، وهو مذهب البصريين، وما أثْبَتُّه صحيح على رأي الكوفيين الذين يكتبون ما كان على وزن (فعَل) بالياء، سواء كان أصل الألف ياءً أم واوًا. قال الفراء: (الحِمَا والرِّضَا، يكتبان بالألف والياء؛ لأن الكسائي سمع العرب تقول: حِمَوان ورِضَوان، وحِمَيان، ورِضَيان). انظر: "المنقوص والممدود" للفراء (تح: عبد العزيز الميمني): ٣٣. وفي "إصلاح المنطق" ١٣٩: (ويقال: كان مَرضِيًا ومَرضُوَّا). وانظر: "باب الهجاء" لابن الدهان: ٢٩.
(٣) انظر: "اللسان" ٦/ ٣٥١٦ (قبل).
(٤) في (د): (دعائي).
(٥) ممن ذكر ذلك: الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٣٥ يرويه عن ابن إسحاق، والثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٣٩ ب، والبغوي في "تفسيره" ١/ ٣٠، ونسبه للكلبي عن ابن إسحاق.
(٦) في (ب): (كامل).

صفحة رقم 194

يقع على المؤنث، وقوعُهُ على المُذَكَّر (١)، وكان ما في بطنها، أُنْثى.
وقوله تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى. اعتذار منها إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة (٢).
وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ. قُرئ بإسكان التَّاء وضمها (٣): فمن (٤) ضم التاء؛ جعل هذا من كلام أمِّ مريم، وهو كقول القائل: (ربِّ قد كان كذا وكذا، وأنت أعلم بما كان). ليس يريد بقوله: (ربِّ قد كان كذا)، إعلام الله سبحانه [وتعالى] (٥)، ولكنه كالخضوع منه، والاستسلام لله تعالى، لذلك قالت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ (٦)، لأنها لم

(١) وقيل: إن (الهاء) تعود على: النذيرة، أو النسمة، أو النفس، وهي ألفاظ مؤنثة، ولذا أنَّث الضمير. وهو رأي الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٣٧، والثعلبي: ٣/ ٣٩ ب، وانظر: "الكشاف" ١/ ٤٢٥.
(٢) هذا قول السدي؛ كما في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٣٨، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٣٧، "زاد المسير" ١/ ٣٧٧. وقيل: إنها قالته على سبيل التَّحسُّر، والتلهف على ما فاتها من رجائها وتقديرها. انظر: "المحرر الوجيز" ٣/ ٨٨، "الكشاف" ١/ ٤٢٥، "البحر" ٢/ ٤٣٨. وإليه مال الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٣٧، والثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٣٩ ب، والبغوي في "تفسيره" ٢/ ٣٠.
(٣) وردت القراءة بإسكان التاء وفتح العين في (وَضَعَتْ)، عن: عاصم برواية حفص والمفضل عنه، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي. أما القراءة بضم التاء وإسكان العين: (وَضَعْتُ)، فقد وردت عن: عاصم برواية أبي بكر، وعن ابن عامر، ويعقوب، وأبي رجاء، وإبراهيم النخعي. انظر: "السبعة" ٢٠٤، "إيضاح الوقف والابتداء" ٢/ ٥٧٥، "القطع والائتناف" للنحاس: ٢٢١، "التيسير" ٨٧، "النشر" ٢/ ٢٣٩.
(٤) من قوله: (فمن..) إلى: (.. بما وضعت): نقله بتصرف واختصار عن "الحجة" للفارسي: ٣/ ٣٤.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).
(٦) في (أ): وضَعَتْ، وفي بقية النسخ، غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبته لتناسبها مع سياق الكلام.

صفحة رقم 195

ترد بقولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى، إخبارًا لله تعالى.
ومن قرأ بإسكان التَّاء وهو أَجْوَدُ القراءتين، كان قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ، مِن (١) كلام الله تعالى، ولو كان من قول أمِّ مريم، لكان: (وأنت أعلم بما وَضَعْتُ)؛ لأنها تخاطب الله سبحانه [وتعالى] (٢)؛ ولأنها قد قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى، [فليست] (٣) تحتاج (٤) بعد هذا [القول] (٥) أن تقول: والله أعلم بما وضعْتُ (٦).
وقوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى. أي: في خِدْمَة الكنيسة والعِبِّادِ الذين فيها؛ لما يلحقها من الحَيْضِ والنفاس، والصيانة عن التَّبَرُّجِ [للناس] (٧).
قال عبد الله بن مُسْلِم (٨): قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، مؤخَّرٌ، معناه التقديم على قراءة العامة كأنه قال: إنِّي وضَعتها أُنثى وليس الذكر كالأنثى؛ لأنه من قول أمِّ مريم (٩).
قوله تعالى: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ. يقال: (عاذ فلانٌ بالله)؛ أي: التجأ

(١) من قوله: (كلام..) إلى (وأنت أعلم بما وضعتُ): ساقط من: (ج)، (د).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، "الحجة" للفارسي.
(٤) في (ب): (يحتاج).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وليست موجودة في "الحجة" للفارسي.
(٦) انظر: "الحجة" لابن خالويه ١٠٨، "الكشف" لمكي ١/ ٣٤٠.
(٧) ما بين المعقوفين من: (ج)، (د).
(٨) هو ابن قتيبة، في "تفسير غريب القرآن" ١٠٤، نقله المؤلف عنه بالمعنى.
(٩) أما على القراءة الأخرى (.. وضَعْتُ) بضم التاء، فليس فيه تقديم ولا تأخير. انظر: "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٣٨٧.

صفحة رقم 196

إليه، وامتنع به، فأعاذه؛ أي: أجارَهُ، ومنعه (١). فمعنى: أُعِيذُهَا بِكَ أي: أمنعها، وأجيرها بك.
وذكرنا معنى (العوذ) في قوله: قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٢) (٣) [البقرة: ٦٧].
وقوله تعالى: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. أي: المطرود، المَرْمِيِّ (٤) بالشُّهُبِ. وقال ابن عباس: الرَّجِيمِ: الملعون (٥). ويجوز أن يكون الرَّجِيمِ بمعنى: المسبوب المشتوم (٦). وذكرنا معاني (الرَّجْمِ) في سورة الحِجْر عند قوله: مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [الحجر: ١٧]. ومعنى هذه الإعاذة، وإجابة الله تعالى إيَّاها إلى ما سألت؛ هو: ما رواه أبو هريرة: أنَّ النبي - ﷺ - قال: "ما من مولود، إلاَّ والشيطان يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيستَهِلُ صارخاً من مَسِّ الشيطان إيَّاه، إلا مريمَ وابنَها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: (اقرأوا

(١) انظر (عوذ) في: "العين " ٢٢٩، "الصحاح" ٢/ ٥٦٦، "مقاييس اللغة" ٤/ ١٨٣، ١٨٤.
(٢) (قال): ساقطة من (د)
(٣) وانظر: "تفسير البسيط" ٣/ ١٠.
(٤) في (ب): (الرمي).
(٥) لم أهتد إلى مصدر هذا القول عن ابن عباس، والذي عثرت عليه، أنه من قول قتادة، كما في "زاد المسير" ١/ ٣٣٧، "الدر المنثور" ٥/ ٦٩ ونسب إخراجه لعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٦) من معاني الرَّجْمِ في اللغة: الرمي بالحجارة، والقتل، والسب والشتم، واللعن. وينقل الأزهري عن ابن الأنباري، قوله: (والرجيم في نعت الشيطان: المرجوم بالنجوم، فصُرِف إلى (فَعِيل) من (مفعول). قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المشتوم المسبوب، من قوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [٤٦ سورة مريم]؛ أي: لأسبنَّك. قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المطرود. قال: وهو قول أهل التفسير). "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٧٥ (رجم)، وانظر: "القاموس المحيط" ١١١١ (رجم).

صفحة رقم 197

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية