عِمْرَانَ، عَلِيمًا بِنِيَّتِهَا فِي وَقْتِ مُنَاجَاتِهَا إِيَّاهُ - وَهِيَ حَامِلٌ - بِنَذْرِ مَا فِي بَطْنِهَا لَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَرَّرًا، أَيْ مُعْتَقًا مِنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ لِعِبَادَتِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَخِدْمَةِ بَيْتِهِ، أَوْ مُخْلَصًا لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَالْخِدْمَةِ لَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَثَنَائِهَا عَلَيْهِ - تَعَالَى - عِنْدَ هَذِهِ الْمُنَاجَاةِ بِأَنَّهُ السَّمِيعُ لِلدُّعَاءِ، الْعَلِيمُ بِمَا فِي أَنْفُسِ الدَّاعِينَ وَالدَّاعِيَاتِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَرَدَ ذِكْرُ عِمْرَانَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَرَّتَيْنِ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ أَبُو مَرْيَمَ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوُرُودِهِمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَوَّلَ أَبُو مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَالثَّانِي أَبُو مَرْيَمَ (عَلَيْهَا الرِّضْوَانُ) وَبَيْنَهُمَا نَحْوُ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا، وَذِكْرُ تَفْصِيلِ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْيَهُودِ. وَقَالَ: وَالْمَسِيحِيُّونَ لَا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ أَبَا مَرْيَمَ يُدْعَى عِمْرَانَ وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ حَقِيقَةٍ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ سَنَدٌ لِنَسَبِ الْمَسِيحِ يُحْتَجُّ بِهِ، فَهُوَ كَسِلْسِلَةِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْمُتَصَوِّفَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِعَلِيٍّ أَوْ بِالصِّدِّيقِ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ سَنَدٌ مُتَّصِلٌ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ. وَأَقُولُ: إِنَّ نَسَبَ الْمَسِيحِ فِي إِنْجِيلَيْ مَتَّى وَلُوقَا مُخْتَلٌّ، وَلَوْ كُتِبَ عَنْ عِلْمٍ لَمَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ.
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى قَالُوا: إِنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِخْبَارُ، بَلِ التَّحَسُّرُ وَالتَّحَزُّنُ وَالِاعْتِذَارُ. فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهَا نَذَرَتْ تَحْرِيرَ مَا فِي بَطْنِهَا لِخِدْمَةِ بَيْتِ اللهِ وَالِانْقِطَاعِ لِعِبَادَتِهِ فِيهِ، وَالْأُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ عَادَةً لَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ. قَالَ - تَعَالَى -: وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ أَيْ بِمَكَانَةِ الْأُنْثَى الَّتِي وَضَعَتْهَا وَأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّكُورِ ; فَفِيهِ دَفْعٌ لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُهَا مِنْ خِسَّةِ الْمَوْلُودَةِ وَانْحِطَاطِهَا عَنْ مَرْتَبَةِ الذُّكُورِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ أَوْ تَمَنَّتْ كَالْأُنْثَى الَّتِي وَضَعَتْ، بَلْ هَذِهِ الْأُنْثَى خَيْرٌ مِمَّا كَانَتْ تَرْجُو مِنَ الذَّكَرِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ (وَضَعْتُ) عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهَا، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا.
وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الْعَوْذُ: الِالْتِجَاءُ إِلَى الْغَيْرِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ، فَمَعْنَى أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَلْجَأُ إِلَيْهِ وَأَعْتَصِمُ بِهِ مِنْهُ، وَأَعَاذَهُ بِهِ مِنْهُ جَعَلَهُ مُعَاذًا لَهُ يَمْنَعُهُ وَيَعْصِمُهُ مِنْهُ، وَالْإِعَاذَةُ بِاللهِ تَكُونُ بِالدُّعَاءِ وَالرَّجَاءِ، وَالرَّجِيمُ: الْمَطْرُودُ عَنِ الْخَيْرِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَاللَّفْظُ هُنَا لْمُسْلِمٍ كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا وَفَسَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ الْمَسَّ هُنَا: بِالطَّمَعِ فِي الْإِغْوَاءِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ. وَلَعَلَّ الْبَيْضَاوِيَّ يَرْمِي إِلَى ذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَدِيثُ شَقِّ الصَّدْرِ وَغَسْلِ الْقَلْبِ بَعْدَ اسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ فِي التَّمْثِيلِ، وَلَعَلَّ
مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلشَّيْطَانِ نَصِيبٌ مِنْ قَلْبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِالْوَسْوَسَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْطَانِهِ: إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ فَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِخَيْرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ حَدِيثَ اسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْهُ وَنَحْوَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ - تَعَالَى -: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [١٥: ٤٢] وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفْوَةُ عِبَادِهِ وَخَاتَمُ رُسُلِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، فَإِنَّ الْآيَةَ تَنْفِي سُلْطَةَ الشَّيْطَانِ عَنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ آنٍ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ تَنْفِي السُّلْطَانَ عَلَيْهِمْ لَا أَصْلَ الْوَسْوَسَةِ، فَإِذَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ وَلَمْ تُطَعْ وَسْوَسَتُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُلْطَانٌ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْوَسْوَسَةِ وَلَا إِلَى الْأَمْرِ بِالشَّرِّ قَطُّ، وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ عُلْيَا لَا يَرْتَقِي إِلَيْهَا كُلُّ عِبَادِ اللهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِسْلَامُ شَيْطَانِهِ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ مَا، وَلَكِنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ وَطَمَعٌ، فَزَالَ وَغَلَبَهُ نُورُ النُّبُوَّةِ حَتَّى يَئِسَ وَزَالَ حَظُّهُ فَلَمْ يَعُدْ يَأْمُرُ إِلَّا بِخَيْرٍ أَوْ أَسْلَمَ كَمَا وَرَدَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مَا فَسَّرَ بِهِ الْبَيْضَاوِيُّ حَدِيثَ مَرْيَمَ وَعِيسَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مُمْتَازَيْنِ عَلَيْهِ إِذْ كَانَ يَطْمَعُ فِيهِ وَلَمْ يَطْمَعْ
فِيهِمَا، وَهَذَا مَا يُشَاغِبُ بِهِ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَدِلِّينَ بِالْحَدِيثِ عَلَى تَفْضِيلِ عِيسَى عَلَى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فَوْقَ الْبَشَرِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ كِتَابَ هَؤُلَاءِ الدُّعَاةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَفِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ مِنْ إِنْجِيلِ لُوقَا مَا نَصُّهُ:
" [١] أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الْأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَكَانَ يَقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ [٢] أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ، وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا [٣] وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا [٤] فَأَجَابَهُ يَسُوعُ قَائِلًا مَكْتُوبٌ أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ [٥] ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ [٦] وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لِأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ [٧] فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ [٨] فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ لِلرَّبِّ إِلَهَكَ تَسْجُدُ، وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ [٩] ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورْشَلِيمَ وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكْ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلَ [١٠] لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ [١١] وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تُصْدَمَ بِحَجْرٍ رِجْلُكَ [١٢] فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ إِنَّهُ قِيلَ لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ [١٣] وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ ". اهـ.
فَهَذَا صَرِيحٌ كَانَ يُوَسْوِسُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى يَحْمِلَهُ وَيَأْخُذَهُ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني