سورة الأحزاب
وهي مدنيّة بإجماعهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ.
(١١١٥) سبب نزولها أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد الله بن أُبيّ، ومعتب بن قشير، والجَدّ بن قيس فتكلَّموا فيما بينهم، وأتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فدعَوه إِلى أمرهم وعرضوا عليه أشياء كرهها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
(١١١٦) قال مقاتل: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يرفُض ذِكْر اللات والعُزَّى ويقولَ: إِنَّ لها شفاعة، فكره ذلك، ونزلت الآية.
وقال ابن جرير: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ الذين يقولون: اطرد عنَّا أتباعك من ضعفاء المسلمين وَالْمُنفِقِينَ فلا تَقْبَل منهم رأياً. فان قيل: ما الفائدة في أمر الله تعالى رسولَه بالتقوى، وهو سيِّد المتَّقين؟! فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. والثاني: الإِكثار مما هو فيه.
والثالث: أنه خطاب وُوجِهَ به، والمراد أُمَّتُه. قال المفسرون: وأراد بالكافرين في هذه الآية: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، وبالمنافقين: عبد الله بن أُبيّ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن
عزاه المصنف لمقاتل، وهذا معضل، وهو بدون إسناد، ومقاتل ممن يضع الحديث، فهذا لا شيء.
أُبَيْرِق. وما بعد هذا قد سبق بيانه «١» إلى قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وفي سبب نزولها قولان:
(١١١٧) أحدهما: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلبٌ مع أصحابه، فأكذبهم اللهُ تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
(١١١٨) والثاني: أنها نزلت في جميل بن مَعْمَر الفهري- كذا نسبه جماعة من المفسرين. وقال الفراء: جميل بن أسد، ويكنى: أبا مَعْمَر. وقال مقاتل: أبو مَعْمَر بن أنس الفهري- وكان لبيباً حافظاً لِمَا سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إِلا وله قلبان في جوفه، وكان يقول: إِن لي قلبين أعقِل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلمَّا كان يوم بدر وهُزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقَّاه أبو سفيان وهو معلِّق إِحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: ما حال الناس؟
قال: انهزموا، قال: فما بالك إِحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرتُ إِلاَّ أنهما في رِجليّ، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لَمَا نسي نعله في يده وهذا قول جماعة من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولاً عجيباً، قال: بلغنا أنّ ذلك في زيد بن حارثة ضُرب له مثَل يقول: ليس ابنُ رجل آخر ابنَك.
قال الأخفش: «مِنْ» زائدة في قوله تعالى: «من قلبين». قال الزّجّاج: أكذب الله عزّ وجلّ هذا الرجل الذي قال: لي قلبان، ثم قرر بهذا الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم ممَّا لا حقيقة له، فقال:
وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ فأعلم الله تعالى أن الزوجة لا تكون أُمّاً، وكانت الجاهلية تُطلِّق بهذا الكلام، وهو أن يقول لها: أنتِ عليَّ كَظَهر أُمِّي، وكذلك قوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ أي: ما جعل مَنْ تَدْعونه ابناً- وليس بولد في الحقيقة- ابناً ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي:
نسبُ مَنْ لا حقيقةَ لنَسَبه قولٌ بالفم لا حقيقة تحته وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أي: لا يجعل غير الابن ابناً وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي: للسّبيل المستقيم. وذكر المفسّرون أنّ قوله تعالى: «وما جَعل أزواجَكم اللاَّئي تُظاهِرون مِنْهُنَّ» نزلت في اوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة. ومعنى الكلام: ما جعل أزواجكم اللاَّئي تُظِاهرون منهنَّ كأُمَّهاتكم في التحريم، إِنَّما قولُكم معصية، وفيه كفّارة، وأزواجكم حلال لكم وسنشرح هذا في سورة المجادلة إِن شاء الله. وذكروا أنّ قوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ.
ذكره الواحدي في «أسباب النزول» ٦٨٩ بتمامه بدون إسناد. وورد بنحوه عند الطبري ٢٨٣٢١ وعبد الرزاق ٢٣١١ عن قتادة مرسلا. وورد أيضا من مرسل عكرمة عند الطبري ٢٨٣٢٣. وعن ابن عباس أخرجه الطبري ٢٨٣١٩ وفيه مجاهيل، وفيه أيضا عطية العوفي، وهو واه. الخلاصة: هو خبر ضعيف، فهذه الروايات واهية لا تقوم بها حجة.
__________
(١) النساء: ٨١.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي