وقال أبو إسحاق: معناه أثبت على تقوى الله ودم عليه (١). وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ يعني: أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين عبد الله بن أبي وابن سعد وطعمة.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا بما يكون قبل كونه. حَكِيمًا فيما يخلقه.
٢ - قال الزجاج: قوله: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن (٢). إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بالياء للكافرين والمنافقين، وبالتاء على المخاطبة ويدخل فيه الغيب.
٤ - قوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال (٣) الأخفش: إنما هو ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه، وجاءت (من) توكيدًا، [كما تقول: رأيت زيدًا نفسه فأدخل (من) توكيدًا] (٤) (٥). واختلفوا في سبب نزول هذا، فقال السدي وقتادة ومجاهد: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب بن عبد الله الفهري (٦) وكان ظريفًا لبيبًا حافظًا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكانت قريش تقول: إن لجميل قلبين في جوفه، وكان يسمى ذا القلبين.
(٣) في (أ): (قاله).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٤٧٨٠.
(٦) هو: أبو معمر جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، شهد حرب الفجار مع والده، أسلم عام الفتح مسنا وكان يلقب ذا القلبين؛ لأنهم كانوا يقولون: له قلبان في جوفه من شدة حفظه، وفيه نزل قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وشهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- حنيناً. انظر: "الاستيعاب" ١/ ٢٣٧، "الإصابة" ١/ ٢٤٥، "أسد الغابة" ١/ ٢٩٥
هذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١).
وقال في رواية أبي طيبان: إن المنافقين قالوا: [إن] (٢) لمحمد قلبين قلبًا معكم وقلبا مع أصحابه (٣).
وقال الزهري: هذا مثل ضربه الله في شأن زيد بن حارثة تبناه النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان، فكذلك لا يكون رجل واحد ابن رجلين (٤).
وقال مقاتل بن حيان: هذا مثل ضربه الله للمظاهر أي: فكما لا يكون لواحد قلبان كذلك لا يكون المرأة المظاهرة أمه (٥) حتى يكون له أمان (٦).
والقول الأول عليه أهل التفسير (٧)، والآية تكذيب للمشركين الذين
(٢) زيادة لا يستقيم المعى بدونها وهي موافقة لما في "سنن الترمذي".
(٣) رواه الترمذي في "سننه" كتاب: التفسير، سورة الأحزاب ٥/ ٢٧، وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب ٢/ ٤١٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٨٢ ب، "تفسير السمرقندي" ٣/ ٣٦.
(٥) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لا تكون امرأة المظاهر أمه.
(٦) ذكره البغوي في "تفسيره" ٣/ ٥٠٦، وعزاه للزهري ومقاتل. وذكره الماوردي في "تفسيره" ٤/ ٣٧٧. وعزاه لمقاتل بن حيان. وذكره "الثعلبي" ٣/ ١٨٢ ب، وعزاه للزهري ومقاتل.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ١١/ ١١٩، "معاني القرآن" للنحاس ٥/ ٣١٨، "تفسير الماوردي" ٤/ ٣٧٠.
قالوا: إن له قلبين، ثم قرن الله تعالى هذا الكلام بما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ قال أبو علي الفارسي: وزنه فاعل مثل شائي ونائي، والقياس إثبات الياء [فيه] (١) بعد الهمزة كما ثبتت في الشائي والنائي ونحوه، ويجوز حذف الياء منه، وحكى ذلك سيبويه فقال: من قال: اللاء بغير ياء، قال: إذا سمي به لاء؛ لأنه يصير بمنزلة باب، وصار حرف الإعراب غير الفعل التي هي الهمز (٢). ويجوز أيضًا تخفيف الهمزة عند حذف الياء فيجعلها بين بين، وعلى هذا أنشد (٣) (٤):
| من اللائي لم يحججن يبغين حسنة | ولكن ليقتلن البريء المغفلا |
قوله تعالى: تُظَاهِرُونَ أي: تتظهرون على وزن تتفعلون فأدغم التاء في الظاء. وقرأ عاصم: تظاهرون من المظاهرة، وقرأ حمزة: تظاهرون أراد تتظاهرون فحذف تاء تتفاعلون، وأدغم ابن عامر هذه التاء التي حذفها حمزة، فقرأ بفتح التاء وتشديد الظاء كل هذا لغات (٦). يقال: ظاهر من
(٢) "الحجة" ٥/ ٤٦٦.
(٣) في (ب): (ينشد).
(٤) البيت من الطويل، وهو لعائشة بنت طلحة في: "العقد الفريد" ٧/ ١٠٢، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" ١٤/ ٣٤٦، ١٥/ ٣٨، "الأغاني" ١٧/ ١٢١، "الأزهية" ص ٣٠٦.
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٣٣٤.
(٦) انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" ٢/ ٥٣٤، "الحجة" ٥/ ٤٦٧، "الحجة في القراءات السبع" ص ٢٨٨.
امرأته وتظاهر وتظهر، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة، فلما جاء الإسلام نهوا عنها، أوجبت الكفارة على من ظاهر امرأته في سورة المجادلة. واشتقاق هذا اللفظ والقصة والحكم يذكر هناك. ومعنى الآية: ما جعل الله نساءكم التي تقولون هن علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الزوجة لا تكون أما (١).
قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ الأدعياء جمع الدعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه، ويدعيه غير أبيه، ومصدره: الدعوة يقال: دعِيٌّ بيَّنُ الدعوة أي: ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا (٢).
قال المفسرون: نزلت في زيد بن حارثة تبناه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كالعادة التي كانت في العرب في الجاهلية، فلما تزوج زينب بنت جحش -وكانت امرأة زيد- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية إبطالًا لما قالوا وتكذيبًا لهم أنه ابنه. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم (٣). وقوله: ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ المفسرون على أن هذا خطاب للذين ينسبون الدعي إلى من تبناه كقولهم: زيد بن محمد، يقول الله: هذا قول تقولونه بألسنتكم ولا حقيقة وراءه، فهو قول بالفم من غير إسناد إلى أصل (٤) كما قال: {ذَلِكُمْ قَوْلُهُمْ
(٢) انظر: "الصحاح" ٦/ ٢٣٣٦، "تهذيب اللغة" ٣/ ١٩، "اللسان" ١٤/ ٢٥٧.
(٣) انظر: "الثعلبي" ٣/ ١٨٣ ب، "الطبري" ٢١/ ١١٩، "زاد المسير" ٦/ ٣٥١، "الدر المنثور" ٦/ ٥٦٢ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٨٣ ب، "بحر العلوم" ٣/ ٣٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي