قوله : يا نساء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النساء قال الزمخشري :«أحد » في الأصل(١) يعني وَحَد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء ( أي )(٢) إذا تَقَصَّيْتَ(٣) جماعات النساء(٤) واحدةً واحدةً لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله عز وجل : والذين آمَنُوا بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ النساء : ١٥٢ ] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق البين(٥). قال أبو حيان أما قوله :«أحَد » في الأصل بمعنى «وحد » وهو الواحد فصحيح(٦)، وأما قوله : وضع إلى قوله وما وراءه. فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن «واحد » ينطلق(٧) على شيء اتصف بالوحدة «وأَحَداً » المستعمل في النفي العام مختص(٨) بمن يعقل، وذكر النحويون أن مادَّته همزةٌ وحاءٌ ودالٌ ومادة «أحد » بمعنى واحد واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً، وأما قوله :«لَسْتُنَّ كجماعة واحدة » فقد قلنا إن معناه ليست كل واحدة منكن فهو حكم على كل واحدة لا على المجموع من حيث هو مجموع، وأما وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فيحتمل أن يكون الذي يستعمل في النفي العام ؛ ولذلك جاء في سياق النفي فعم وصلحت التثنية للعموم، ويحتمل أن يكون «أحدٌ » بمعنى «واحد » وحذفَ معطوفٌ، أي بين أحدٍ وأحدٍ(٩) ( كما قال(١٠) :)
| ٤٠٨٦ - فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْر لَوْ جَاءَ سَالِماً | أبُو حَجَرٍ إِلا لَيَالٍ قَلاَئِلُ(١١) |
قوله :«إن اتَّقَيْتُنَّ » في جوابه وجهان :
أحدهما : أنه محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي إِن اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ فَلَسْتُنَّ كَأَحدٍ، فالشرط قيد في نفي أن يشبَّهْنَ بأحد من النساء(١٦).
والثاني : أن جوابه قوله «فَلاَ تَخْضَعْنَ »(١٧) والتقوى على بابها، وجوز أبو حيان على هذا أن يكون «اتَّقَى » بمعنى اسْتَقْبَلَ أي استقبلتن(١٨) أحداً فلا تُلِنَّ له القول، واتَّقَى بمعنى استقبل معروف في اللغة، وأنشد :
| ٤٠٨٧ - سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِد إِسْقَاطَهُ | فَتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتْنَا بِاليَدِ(١٩) |
قوله :«فَيَطْمَعَ » العامة على نصبه جواباً للنهي، والأعرج(٢٣) بالجزم فيكسر(٢٤) العين لالتقاء الساكنين(٢٥) وروي عنه وعن أبي السَّمَّال وعيسى بن عمر وابن مُحَيْصِن بفتح الياء وكسر الميم(٢٦)، وهذا شاذ حيث توافق الماضي والمضارع في حركة. وروى عن الأعرج أيضاً أنه قرأ بضم الياء وكسر الميم(٢٧) من «أَطْمَع » وهي تحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على الخضوع المفهوم من الفعل و «الذي » مفعوله أي لا تخضعن فيطمع الخضُوع المريضَ القلبِ، ويحتمل أن يكون «الذي » فاعلاً، ومفعوله محذوف أي فيطمع المريض نفسه(٢٨).
فصل :
قال ابن عباس : معنى لسْتُنَّ كأحد من النساء يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء(٢٩) الصالحات أنتن أكرم عليّ، وثوابكن أعظم لَدَيَّ، ولم يقل كواحد لأن(٣٠) الأحد عام يصلح للواحد، والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. قال تعالى : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ [ البقرة : ٢٨٥ } وقال : فَمَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [ الحاقة : ٤٧ ] وقوله :«إِنْ اتَّقَيْتُنَّ » الله فأطعتنّه، ولما منعهن من الفعل القبيح منعهن من مقدماته، وهي المحادثة مع الرجال فقال : فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول أي تُلِنَّ القولَ للرجال، ولا ترفضن الكلام فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي فسق وفجور وشهوة، وقيل : نِفاق، أي لا تقولن قولاً يجدُ منافقٌ أو فاجرٌ به سبيلاً إلى المطامع(٣١) فيكُنَّ. والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع(٣٢) وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً أي ذكر الله(٣٣)، وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح أو بيان من غير خضوع.
٢ سقطت من "ب"..
٣ هكذا هي في الكشاف وما في "ب" نقصت..
٤ وهي أمة النساء وجماعة لم توجد منهن جماعة..
٥ في الكشاف المبين..
٦ البحر المحيط ٧/٢٢٩..
٧ في "ب" مطلقة..
٨ في "ب" وهو ما في البحر مخصوص..
٩ البحر ٧/٢٢٨..
١٠ ساقط من "ب"..
١١ البيت من بحر الطويل وهو للنابغة الذبياني، وأبو حجر كناية عن النعمان بن الحارث وشاهده: حذف الواو ومعطوفها والأصل: بين الخير وبيني فقد حذف الواو مع معطوفها وهذا تقرير لقول أبي حيان الذي أجاز هذا الاحتمال. انظر: البحر المحيط ٧/٢٢٩ وابن الناظم بدر الدين على الألفية ٢١٤ وأوضح المسالك لابن هشام ١٩٢ والأشموني ٣/١١٦ والتصريح ٢/١٥٣ والديوان (١٢٠)..
١٢ يقال: ما في الدار غريب في النفي ولا يقال: في الدار غريب لعدم الفائدة وكذا: ما بالدار كيتع، أي أحد اللسان: "ك ت ع" ٣٨٢٠ وإصلاح المنطق ٣٩١..
١٣ من أقوالهم: ما يعرف قَبيلُهُ من دبيره، وفلان ما يدري قبيلاً من دبير، المعنى ما يدري شيئاً اللسان: "د ب ر" ١٣١٩..
١٤ قالوا: ما في الدار تَامُور وتُومُور، وما بها تُومري أي ليس بها أحد. وقال أبو زيد: ما بها تأمور أي ما بها أحد اللسان "ت م ر "٤٤٦..
١٥ انظر: الدر المصون ٤/٣٨٣ و ٣٨٤..
١٦ قاله السمين في الدر ٤/٣٨٤ وقدره ابن الأنباري في البيان انفردتن بخصائص من جملة سائر النساء البيان ٢/٢٦٨..
١٧ المرجعان السابقان..
١٨ البحر المحيط ٧/٢٢٩ واستدل بالبيت الأعلى..
١٩ البيت من الكامل وهو للنابغة في مدح "المتجردة" زوج النعمان بن المنذر، والنصيف غطاء الرأس للمرأة وهو الخِمار، وقيل: ما تشد به رأسها وهو المعجر والشاهد فيه: استعمال "اتقى" بمعنى استقبل كما قرره أبو حيان، أي استقبلتنا باليد. انظر: ديوانه ٩٣ والأشموني ٢/١٩١ ولسان العرب "نصف" والبحر المحيط ٧/٢٢٩ والدر المصون ٤/٣٨٥..
٢٠ في البحر: " ولا علق نَهْيُهُنَّ عن الخضوع"..
٢١ البحر المحيط لأبي حيان ٧/٢٢٩..
٢٢ ذكره في الدر المصون ٤/٣٨٥..
٢٣ هو عبد الرحمن بن هرمز قد عرفت به فيما سبق..
٢٤ في "ب" بكسر- بالباء-..
٢٥ ذكرها كل من ابن جني وابن خالويه في كتابيهما الأول في المحتسب ٢/١٨١ والثاني في المختصر ص ١١٩ وهي من الشواذ غير المتواترة. البحر المحيط لأبي حيان ٧/٢٣٠..
٢٦ ابن خالويه ١١٩ وهي من الأربع الشواذ فوق العشرة المتواترة الإتحاف ٣٥٥ والبحر ٧/٢٣٠..
٢٧ انظر: شواذ القرآن ١٩٤ والبحر ٧/٢٣٠ مروية عن ابن محيصن أيضاً..
٢٨ قاله السمين في الدر ٤/٣٨٥..
٢٩ نقله ابن الجوزي في زاد المسير ٦/٣٧٨..
٣٠ قاله القرطبي في ١٤/١٧٧..
٣١ في "ب" إلى الطامع..
٣٢ نقله الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره المسمى زاد المسير ٦/٣٧٩..
٣٣ وقد فسره ابن عباس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انظر: القرطبي ١٤/١٧٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود