ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ

ثم قال تعالى وهو يخاطب أزواج النبي : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ، مؤكدا بذلك شرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وعظيم مسؤوليتهن، منبها إلى أن ( تقوى الله ) هو الأساس الذي تبنى عليه كل المزايا والفضائل، وأن من لم يتق الله لا يستحق إلا أسفل الدرجات وأحط المنازل.
وإمعانا في تهذيب أزواج الرسول عليه السلام، وتمكينهن من تسنم أعلى المقامات في التربية والسلوك، حتى يكن خير قدوة للمؤمنين والمؤمنات، لقنهن كتاب الله جملة من الآداب النافعة، والوصايا الجامعة، التي تخلع عليهن مزيدا من الجلال والوقار، وتجعلهن في منأى عن كل الشبهات والأوزار. والخطاب وإن كان موجها إليهن بالأصالة فهو موجه بالتبع إلى جميع نساء المسلمين.
الوصية الأولى : أن يكون كلامهن جزلا، وقولهن فصلا، دون ترقيق مصطنع، قد يبعث الغريب على الطمع، وذلك قوله تعالى : فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ، أي : في قلبه ريبة، وقلن قولا معروفا( ٣٢ ) ، أي : قولا حسنا، لا لينا ولا خشنا.
الوصية الثانية : أن يصرفن عنايتهن الخاصة واهتمامهن الزائد إلى تدبير بيوتهن، إذ لا تتحقق سعادة البيت والأسرة على الوجه الأكمل إلا بالاستقرار، والتعاون والوقار، وعدم التعرض لمخالطة الأشرار، وذلك قوله تعالى : وقرن في بيوتكن .
الوصية الثالثة : أن يترفعن، عند الحاجة للخروج من البيت، عن التلبس بمظاهر الجاهلية الجهلاء، ويبتعدن كل الابتعاد عن ( التبرج ) الذي هو أخطر وسيلة للإغراء والإغواء، وذلك قوله تعالى : ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، أي : لا تحدثن في الإسلام جاهلية أخرى، على غرار الجاهلية الأولى قبل الإسلام، فإنها محرمة من باب أولى وأحرى، وسبق قوله تعالى في سورة النور ( ٦٠ ) : غير متبرجات بزينة، وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ، وقالت عائشة رضي الله عنها :( يا معشر النساء : قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرما ).
الوصية الرابعة : أن يقمن الصلاة التي هي عماد الدين، والحق الأول من حقوق الله، ويؤتين الزكاة التي هي عماد التكافل بين المؤمنين، والحق الأول من حقوق عباد الله، وذلك قوله تعالى : وأقمن الصلاة وآتين الزكاة .
الوصية الخامسة : أن يُطعن الله ورسوله طاعة عامة مصحوبة بالرضى والتسليم، وطبقا لما في كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وذلك قوله تعالى : وأطعن الله ورسوله .
وبعدما انتهى كتاب الله من عرض الآداب والوصايا التي وجه الخطاب بها إلى أزواج الرسول وأمهات المؤمنين بين الحكمة الإلهية من وراء ذلك، ألا وهي أن المستوى الأخلاقي العالي الذي يريده لأزواج الرسول عليه السلام، وأهل بيته الكرام، في سلوكهم الخاص والعام، إنما يطالبهم به لتظل منزلتهم الخاصة في القلوب بمنأى عن كل نقد أو تجريح، لا بطريق التصريح ولا بطريق التلويح، فبتساميهم في السلوك والتزامه عادة وديدنا، لا يجد من قلبه مرض مغمزا ولا مطعنا، وذلك قوله تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا( ٣٣ ) ، وإنما قال : ليذهب عنكم... ويطهركم ، نظرا لاشتمال بيت النبوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الحسن والحسين، بالإضافة إلى أزواج الرسول وبنته، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر.
ونبه جار الله الزمخشري إلى أن كتاب الله استعار كلمة ( الرجس ) للذنوب، وكلمة ( الطهر ) للتقوى، لأن عرض المقترف للسيآت والقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس والخبائث، بينما عرض الذي يمارس الحسنات ويتشبث بالمحاسن يظل نقيا مصونا، كنقاء الثوب الطاهر النظيف.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير