قوله : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب قال الناس : إن محمداً تزوج امرأة ابنه فأنزل الله - عز وجل١ - ما كان محمد أبا أحد من رجالكم يعني زيد بن حارثة أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها. فإن قيل : أليس أنه كان له أبناء القاسمُ والمطهرُ، وإبراهيم، والطَّيِّبُ، وكذلك الحَسَنُ، الحُسَيْنُ، قال - عليه ( الصلاة٢ و ) السلام - :«إن ابني هذا سيد ؟ ».
فالجواب : هؤلاء كانوا صغاراً ولم يكونوا رجالاً، والصحيح أنه أراد أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم الذي لم يلده٣.
قوله : ولكن رَسُولَ الله العامة على تخفيف «لكن » ونصب «رسول »، ونصبه إما على إضمار «كَانَ » لدلالة «كان » السابقة عليها، أي ولكن كَانَ٤، وإما بالعطف على٥ «أَبَا أَحَدٍ » : والأول أليق ؛ لأن «لكن » ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق بها أن تدخل على الجمل «كبل » التي ليست عاطفة٦. وقرأ أَبُو عَمْرٍو - في رواية - بتشديدها٧، على أن «رسول الله » اسمها وخبرها محذوف للدلالة، أي ولكن رسول الله هُوَ أي محمد، وحذف خبرها سائغ وأنشد :
| ٤٠٩٤ - فَلَوْ كُنْتَ ضبّيّاً عَرَفْتَ قَرَابَتِي | وَلَكِنَّ زِنْجِيّاً عَظِيمَ المَشَافِرِ٨ |
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بتخفيفها٩ ورفع «رسول » على الابتداء، والخبر مقدر أي هو، أو بالعكس أي ولكن هُوَ رَسُولُ كقوله :
| ٤٠٩٤ - وَلَسْت الشَّاعِرَ السِّفْسَافَ فِيهِمْ | وَلَكن مِدْرَهَ الحَرْبِ العَوَانِ١٠ |
قوله :«وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ » قرأ عاصم بفتح التاء١١ والباقون بكسرها، فالفتح اسم للآلة التي يختم١٢ بها كالطَّابَع والقَالَب، لما يطبع به، ويقلب فيه هذا هو المشهور، وذكر أبو البقاء فيه أَوْجُهاً أُخَرَ منها أنه في معنى المصدر قال : كذا١٣ ذكر في بعض الأعاريب، قال شهاب الدين : وهو غلط١٤ محض كيف وهو مُحْوِجٌ١٥ إلى تَجَوُّزٍ أو إضْمار، ولو حكى هذا في خَاتِم - بالكسر - لكان أقرب، لأن قد يجيء المصدر على فاعل وفاعلة وسيأتي ذلك قريباً، ومنها أنه اسم بمعنى١٦ «آخَرَ » ومنها أنه فعل ماض مثل «قَاتَل » فيكون «النَّبِيِّينَ » مفعولاً به، قال شهاب الدين : ويؤيد هذا قراءة عبد الله المتقدمة١٧. وقال بعضهم هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه قد ختم النبيين فهو خَاتم١٨.
فصل :
قال ابن عباس : يريد لو لم أَختم به النبيين لجعلت له ابناً١٩ يكون من بعده نبيّاً، وروى عطاء عن ابن عباس : أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يُعْطِهِ ولداً ذكراً يصير رَجُلاً٢٠، وقيل : من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره٢١. وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد عليه ( الصلاة٢٢ و ) السلام أن زوجه بزوجة٢٣ دعيِّه تكميلاً للشرع، وذلك من حيث إنَّ قول النبي – عليه الصلاة والسلام - يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يفيد في بعض النفوس نُفْرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حِلّ أكل الضَّبِّ، ثم لما لم يأكله بَقِيَ في النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله، مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب٢٤، روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :«مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء كَمَثَلِ قَصْرِ أُحْكِمَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ إِلاَّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لاَ يُجِيبُونَ سِوَاهَا فَكُنْت أنَا مَوْضِع تِلْكَ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِهِ البُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِي الرُّشْدُ »٢٥، وقال - عليه ( الصلاة٢٦ و ) السلام :«إنَّ لِي٢٧ أسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الماحِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِيَ وأَنَا العَاقِبُ » والعاقِبُ الَّذي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ.
٢ زيادة من "ب"..
٣ قاله القرطبي في المرجع السابق وانظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٢٢٩ و ٢٣٠ والخازن ٥/٢٦٤ و ٣٦٥ والبغوي ٥/٢٦٤ و ٢٦٥ وفيه "الذين لم يلدهم" بلفظ الجمع..
٤ هذا رأي أبي الحسن الأخفش فقد قال في المعاني ٢/٦٦٠: " أي ولكن كان رسول الله" واستحسن رأيه ابن الأنباري في غريب إعراب القرآن ٢/٢٧٠ وانظر: الدر للسمين ٤/٣٩١ وإعراب القرآن للزجاج ٤/٢٣٠ والتبيان ١٠٥٨ ومعاني الفراء ٢/٣٤٤..
٥ قاله أبو حيان في البحر ٧/٢٣٦ والسمين في الدر ٤/٣٩١..
٦ المرجع السابق..
٧ مختصر ابن خالويه ١٢٠ والمحتسب ٢/١٨١ وهي من الشَّواذِّ..
٨ البيت من الطويل يهجو به رجلاً من "ضبة" وهو للفرزدق والمشافر جمع مشفر وهو من البعير كالشفة للإنسان وشاهده: ولكنَّ زِنْجِياً، حيث حذف خبر "لكن" أي "لا يَعْرِفُ قَرَابَتِي"، وإذا رفع زِنْجِيٌّ فإن المحذوف هو الاسم، والبيت لا يوجد بديوان الفرزدق وانظر: الكتاب ٢/١٣٦ والبحر ٧/٢٣٦، والإفصاح ٢١٣ والمحتسب ٢/١٨٢ والإنصاف ١٨٢ وأسرار البلاغة ١٢٩ وابن يعيش ٨/٨١ والهمع ١/١٣٦ ومجالس ثعلب ١٠٥، وأمالي السهيلي ١١٦، وتمهيد القواعد ٢/١١٧، واللسان "شفر" والمقرب ١/١٠٨، والمغني ٢٩١ وشرح شواهده للسيوطي ٧٠١ والمنصف ٣/١٢٩ وقد وجد بديوانه بلفظ "مشافره"..
٩ ذكر تلك القراءة الشاذة ابن خالويه في المختصر ١٢٠ وانظر: معاني الفراء ٢/٣٤٤ والبحر المحيط ٧/٢٣٦ والأخفش في معانيه ٦٦٠..
١٠ البيت من تمام الوافر وهو مجهول القائل. وقد تقدم..
١١ الحجة لابن خالويه ٢٩٠ والنشر ٢/٣٤٨ وتقريبه ١٦١ والسبعة ٥٢٤ والإتحاف ٣٥٥..
١٢ انظر: اللسان: "خ ت م " ١١٠١..
١٣ التبيان ١٠٥٨..
١٤ الدر المصون ٤/٣٩٢..
١٥ وفيه: "يحوج" بالمضارعة..
١٦ المرجعان السابقان..
١٧ لم يذكر المؤلف تقدماً لتلك القراءة وهي: "وخَتَمَ النَّبِيِّينَ" بلفظ الماضي وهي قراءة ابن مسعود ومن حذا حذوه، وانظر: مختصر ابن خالويه ١٢٠ ومعاني الفراء ٢/٢٤٤..
١٨ المرجعان السابقان..
١٩ نقله في زاد المسير ٦/٣٩٣..
٢٠ ذكره الخازن والبغوي في تفسيريهما ٥/٢٦٥..
٢١ ذكره الفخر الرازي ٢٥/٢١٤..
٢٢ زيادة من "ب"..
٢٣ في "ب" بزوجته وما هنا هو الموافق لتفسير الرازي..
٢٤ قاله الإمام الرازي في التفسير الكبير ٢٥/٢١٤..
٢٥ الحديث رواه الإمام السيوطي في كتابه: "جامع الأحاديث" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وانظر: كذلك مجمع البيان للطبرسي ٨/٥٦٧..
٢٦ زيادة من "ب"..
٢٧ الحديث رواه جابر بن مطعم عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ولقد أورده الإمام البخاري في صحيحه ٣/٢٠١، والإمام مالك في الموطأ رقم "١" من أسماء النبي وأورده أحمد في مسنده ٤/٨٠ و ٨١ و ٨٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود