ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

قال سبحانه مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب: ٤٠] لأن علاج قضية التبني أهمُّ من أُبوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأحد منكم أن يكون أبوه رسول الله؛ لأن أبوته لآخر لا تنفعه بشيء، إنما ينفعه البلاغ عن الله، وأن يحمل له منهج ربه الذي يسعده في دينه ودنياه.

صفحة رقم 12056

إذن: ففرحكم برسول الله كرسول أَوْلَى من فرحكم به كأب، وإلاَّ فما أكثر من لهم آباء، وهم أشقياء في الحياة لا قيمة لهم.
وقوله مَّا كَانَ... [الأحزاب: ٤٠] النفي هنا يفيد الجحود، فهو ينكر ويجحد أنْ يكون محمدا أَباً لأحد من رجالكم، وتأمل عظمة الأداء القرآني في كلمة مِّن رِّجَالِكُمْ... [الأحزاب: ٤٠] ولم يَقُلْ مثلاً أبا أحد منكم، لماذا؟ قالوا: لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان أباً لعبد الله وللقاسم ولإبراهيم، وكانوا جميعاً منهم، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أبوهم، فجاءت كلمة رِّجَالِكُمْ... [الأحزاب: ٤٠] لتُخرج هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم لم يبلُغوا مبلغ الرجال، فمحمد ما كان أبداً أبا أحد من الرجال، وإنْ كان أباً لأولاد صغار لم يصلوا إلى مرحلة الرجولة.
وقوله ولكن... [الأحزاب: ٤٠] أي: أهم من أُبوَّته أن يكون رسول الله وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٤٠] ليس هذا فحسب، ولكن أيضاً وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] أي: الرسول والنبي الذي يختم الرسالات، فلا يستدرك عليه برسالة جديدة.
وهذه من المسائل التي وقف عندها المستشرقون معترضين، يقولون: جاء في القرآن: وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ... [آل عمران: ٨١].
ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من ضمن الأنبياء الذين أُخذَ عليهم هذا العهد، بدليل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب: ٧].
إذن: أخذ الله العهد على الأنبياء أنه من ضمن مبادئهم أنْ يُبلِّغوا قومهم بمقدم رسول جديد، وأنه إذا جاءهم عليهم أن يؤمنوا به، وأنْ ينصرونه، كما بشَّر مثلاً عيسى عليه السلام برسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ

صفحة رقم 12057

فقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ... [الصف: ٦].
فكيف يخبر الله عن محمد أنه خاتم النبيين وهو واحد منهم؟ نقول: نعم هو واحد منهم، لكن إنْ كانوا قد أُمِروا بأنْ يُبشِّروا وأنْ يُبلغوا أقوامهم برسول يأتي، فقد أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يَبلِّغ قومه أنه خاتم الأنبياء والرسل.
لذلك يُرْوَى أن رجلاً ادَّعَى النبوة في زمن المأمون، فأمر به فَوُضِع في السجن، وبعد عدة أشهر ظهر رجل آخر يدعي النبوة، فرأى المأمون أن يواجه كل منهما الآخر، فأحضر المدعي الأول وقال له: إن هذا الرجل يدَّعي أنه نبي، فماذا تقول فيه؟ قال: هو كذاب؛ لأنني لم أرسل أحداً - فارتقى إلى منزلة الألوهية، لا مجدر أنه نبي.
والمرأة التي ادَّعَتْ النبوة أيضاً في زمن المأمون لما أوقفها أمامه يسألها قالها لها: ألم تعلمي أن رسول الله قال: لا نبيَّ بعدي؟ قالت: بلى، ولكنه لم يقل لا نبية بعدي!
ثم يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب: ٤٠] وما دام أن الله تعالى عليهم بكل شيء فليس لأحد أنْ يعترض؛ لأنه سبحانه هو الذي يضع الرسول المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب، وقد علم سبحانه أن رسالة محمد تستوعب كل الزمان وكل المكان.

صفحة رقم 12058

ثم يقول الحق سبحانه: ياأيها الذين... .

صفحة رقم 12059

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية