تمهيـد :
تأتي هذه الآيات لإبطال بعض عادات الجاهلية وهي احتقار العبيد والفقراء والتباهي بالأحساب والأنساب، وقد أراد القرآن أن يبين أن الإسلام والإيمان وطاعة الرحمان هي مصدر العزة والمجد، فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وهي ابنة عمته وهي قرشية ذات حسب ونسب لزيد بن حارثة مولاه، وكان رقيقا وقد حضر أبوه ليشتريه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" إن اختارك فخذه بدون ثمن وإن اختارني فسيبقى معي " فاختار زيد البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعيره عمه قائلا : كيف تختار الرق على الحرية، فقال زيد : لقد رأيت من هذا الرجل كل عطف وخير وبركة، ولا أوثر أحدا على بقائي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان أبي، فعندئذ ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بزيد إلى المسجد وقال " اشهدوا أيها الناس إن زيد بن حارثة ابني ويرثني " فكان بعد ذلك يدعى زيد بن محمد فلما أبطل الله التبني بقوله سبحانه : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله... . ( الأحزاب : ٥ ) قال زيد أنا زيد بن حارثة.
ثم شرع الله زواجه من امرأة قرشية شريفة، ليبين الحق سبحانه أن الإيمان الصادق له اعتباره في الزواج وتم هذا الزواج وشاء الله ألا يستمر، لأن زينب بنت جحش كانت تفتخر على زيد بأنها قرشية أصيلة لم يجر عليها الرق وأن زيدا كان رقيقا، ورغب زيد في طلاقها لتعاليها عليه ولأن فيها حدة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب من زيد التريث وإمساك زينب وعدم المسارعة في طلاقها وكان الله قد أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم أنه سيتزوج زينب بعد أن يطلقها زيد بن حارثة، ومع هذا كان يخشى تعجيل هذا الزواج خوفا من كلام الناس وقولهم إن محمدا تزوج حليلة متبناه فلام الله نبيه على ذلك، وتبين له أن الخشية تكون من الله لا من كلام الناس وكانت في الآيات دروس عديدة منها ما يأتي :
- تقدير الناس حسب أعمالهم.
- إطاعة أمر الله وأمر رسوله طاعة مطلقة وعلى كل حال.
- لا خشية من كلام الناس مادام الإنسان ممتثلا أمر الله.
- لا ينبغي لمؤمن ولا لمؤمنة تقديم الهوى الشخصي على أوامر الله ورسوله.
- إبطال أحكام التبني التي كانت في الجاهلية.
- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء فلا نبي بعده.
- جواز عتاب الله لرسوله.
- ذكر فضل الله على زيد حيث ذكر اسمه في القرآن وسيظل يقرأ إلى يوم الدين.
- ذكر فضل الله على زينب حيث زوجها الله من علياء السماء وكان السفير في ذلك جبريل.
ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين وكان الله بكل شيء عليما .
المفردات :
خاتم النبيين : آخرهم فلم يجيء نبي بعده.
التفسير :
تأتي هذه الآية ردا على المنافقين الذين قالوا إن محمدا ينهانا عن زواج امرأة الابن وقد تزوج امرأة ابنه فأفاد القرآن أن محمدا لم يكن أبا نسبيا لزيد إنما رباه ورعاه وادعاه فلما أبطل الله التبني صار يدعي زيد بن حارثة فما كان محمد أبا لزيد ولكن هو رسول الله يبلغ رسالات الله ويصل بين وحي السماء وتعليم الناس شرائع الله تعالى، وقد ختم الله به النبيئين فلا نبي بعده، ومن أجل ذلك اشتملت شريعة الإسلام على مقومات حياتها وخلودها وبقائها حيث نص القرآن الكريم على ثوابت الشريعة، ووضحت السنة القرآن ورسمت للناس معالم الحياة وتطبيقاتها العملية وكان عمل الصحابة وسلوكهم وقضاؤهم وفتاواهم وفقههم مصدرا تشريعيا من مصادر التشريع وكذلك اجتهاد التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فالاجتهاد أصل من أصول التشريع الإسلامي ويبقى لهذه الشريعة جدتها ونضارتها وخلودها إلى يوم الدين قال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( الحجر : ٩ ) وقد وردت الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وكتب السنن تؤيد أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة خاتمة للرسل فلا نبي بعده، وكل من ادعى الرسالة أو النبوة بعده افتضح أمره وعرف للناس كذبه، لقوله تعالى : وخاتم النبيئين بفتح التاء عند حفص وفي قراءة الجمهور وخاتم النبيئين بكسر التاء أي أن الله ختم به الرسالات وقال صلى الله عليه وسلم " أنا العاقب فلا نبي بعدي " وقال صلى الله عليه وسلم " أنا خاتم الرسل " صلوات الله وسلامه عليه.
من تفسير القرطبي
١- اعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة ولم يقصد بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ولد، فقد ولد له ذكور : إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له.
٢- قال صلى الله عليه وسلم " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " ٤٣ أه.
وقد حفلت كتب التفسير كالقرطبي وابن كثير والتفسير المنير وغيرها بإيراد طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة تدل دلالة قاطعة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل.
وجاء في التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية ما يأتي : وقد أفادت هذه الآية أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين خلفا عن سلف ولصراحة الآية لم يستطع المارقون أن يدعوا النبوة بل ادعوه بعضهم الرسالة كالبهاء وهذا إفك وكفر مبين فإنه إذا كانا لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا عكس وقد وردت الأحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا نبي بعده أخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي حشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ولم يبق من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " ٤٤
وقال صلى الله عليه وسلم " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ٤٥ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " ٤٦ وقد روى الإمام مسلم بسنده عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع اللبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع اللبنة " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " ٤٧ ونحوه عن أبي هريرة غير أنه قال " فانا اللبنة وأنا خاتم النبيئين " وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي " قال أنس فشق ذلك على الناسي قال : فقال صلى الله عليه وسلم : " ولكن المبشرات " قالوا يا رسول الله وما المبشرات ؟ قال " رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة ". ٤٨
***
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة