ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

قوله : اليوم نَخْتِمُ اليوم ظرف لما بعده. وقرئ يُخْتِمُ١ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله. وقرئ :«وَتتكَلَّم »٢ بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ٣ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا٤. و «بِمَا كَانُوا » أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين٥.

فصل


في الترتيب٦ وجهان :
الأول : أنهم حين يسمعون قوله تعالى : بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ يريدون ينكرون كفرهم كما قال عنهم :«مَا أَشْرَكْنَا » «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ » فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم.
الثاني : لما أن قال الله تعالى لهم : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها : أن الله تعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأنه في قدرة الله يسير ( و )٧ أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر : أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي٨ الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال٩ توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمور بحيث لا يسمع معه الإنكار كقول القائل : الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح١٠ الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال : فيختم على فيه، فيقال لأركانه انطقي قال : فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل١١ وقال عليه ( الصلاة و ) السلام :«أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه »١٢.
فإن قيل : ما الحكمة في إسناده١٣ الختم إلى نفسه وقال «نختم » وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي ؟
فالجواب : أنه لو قال : نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال : تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم.
فإن قيل : ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل ؟
فالجواب : لأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى : وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [ يس : ٣٥ ] أي ما عملوه وقال وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة [ البقرة : ١٩٥ ] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل١٤ الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم.
فإن قيل : إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب ( منها )١٥ فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها.
فالجواب : أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إليها عدالة ولا فسقٌ١٦، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقال : إن العين تزني وإن الفَرْج يزني. وأيضاً فإنا نقول : في رد شهادتها ( قبول١٧ شهادتها ) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كمن قال لِفَاسِق :«إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ » فقال الفاسق : كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ١٨ ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط١٩ أيضاً بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه.
١ لم يذكر أبو حيان من قرأ بها وكذلك تلميذة شهاب الدين السمين انظر: البحر ٧/٣٤٤ والدر المصون ٤/٥٣٠ وانظر الكشاف ٣/٣٢٨..
٢ المراجع السابقة..
٣ المراجع السابقة البحر والسمين والدر والكشاف وانظر: شواذ القرآن ٢٠٤..
٤ البحر والدر المرجعان السابقان..
٥ الدر المصون ٤/٥٣١..
٦ التفسير الكبير للرازي ٢٦/١٠١..
٧ زيادة الواو من النسختين لا معنى لها..
٨ تصحيح من الرازي ومن السياق اللغوي ففي النسختين ناكسو..
٩ في ب محال بالحاء وما في أ يوافق الرازي..
١٠ السابق ٢٦/١٠١..
١١ أخرجه البغوي في تفسيره عن الشعبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه..
١٢ أورده ابن كثير في تفسيره عن الرازي انظر: تفسيره ٣/٥٧٧..
١٣ انظر في كل هذا تفسير الرازي ٢٦/١٠١و ١٠٢..
١٤ في ب فتجعل الأرض والأرض لحن غير مراد..
١٥ سقط من ب..
١٦ في ب ضيق..
١٧ سقط من ب فقط..
١٨ كذا في الرازي و ب. و أ الأب..
١٩ الأصح كما في الرازي : فقد وجد الشرط ووجب الجزاء وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار اليوم فوجد الشرط الخ....

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية