قوله عز وجل : اليوم نختم على أفواههم فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون منعها من الكلام هو الختم عليها.
الثاني : أن يكون ختماً يوضع عليها فيرى ويمنع من الكلام.
وفي سبب الختم أربعة أوجه :
أحدها : لأنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين
فختم الله تعالى على أفواههم حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري.
الثاني : لِيَعرفهم أهل الموقف١ فيتميزون منهم، قاله ابن زياد.
الثالث : لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الإلزام من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يوماً لا يحتاج فيه إلى الإعجاز.
الرابع : ليعلم أن أعضاءه التي كانت له أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه.
وتُكلِّمنا أيديهم وتشهدُ أرجلهم بما كانوا يكسبون وفي كلامها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يظهر منها سِمة تقوم [ مقام ] ٢ كلامها كما قال الشاعر :
| وقد قالت العينان سمعاً وطاعة | وحَدَّرتا كالدر لما يثَقّبِ |
الثالث : أن الله تعالى يخلق فيها ما يتهيأ معه الكلام منها. روى الشعبي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بُعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل٣ ". فإن قيل فلم قال : وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم فجعل ما كان من اليد كلاماً، وما كان من الرجل شهادة ؟
قيل لأن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار، فلذلك عبّر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روى شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى ".
فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي في الشطر الأعلى من جسده، وأقرب أعضاء الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها، وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها، فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها.
٢ زيادة يقتضيها السياق..
٣ رواه مسلم في الزهد رقم ٢٩٦٩..
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود