ﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞ ﰿ ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

وَفُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهُمْ بِقِلَّةِ الْعُقُولِ بِقَوْلِهِ: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، فَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ عَنْ عَدَمِ كَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ، أَيْ يُدْرِكُونَ، إِذْ لَوْ كَانُوا يَعْقِلُونَ لَتَفَطَّنُوا إِلَى إِيقَاعِ الشَّيْطَانِ بِهِمْ فِي مَهَاوِي الْهَلَاكِ. وَزِيَادَةُ فِعْلِ الْكَوْنِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَمْ يَتَكَوَّنْ فِيهِمْ وَلَا هُمْ كائنون بِهِ.
[٦٣، ٦٤]
[سُورَة يس (٣٦) : الْآيَات ٦٣ إِلَى ٦٤]
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)
إِقْبَالٌ عَلَى خِطَابِ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعْبُودَاتٍ يُسَوِّلُهَا لَهُمُ الشَّيْطَانُ، إِذْ تَبْدُو لَهُمْ جَهَنَّمُ بِحَيْثُ يُشَارُ إِلَيْهَا وَيُعَرَّفُونَ أَنَّهَا هِيَ جَهَنَّمُ الَّتِي كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُنْذَرُونَ بِهَا وَتَذْكُرُ لَهُمْ فِي الْوَعِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ. وَالْأَمْرُ بِقَوْلِهِ: اصْلَوْهَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِهَانَةِ وَالتَّنْكِيرِ.
واصْلَوْهَا أَمْرٌ مِنْ صَلِيَ يَصْلَى، إِذَا اسْتَدْفَأَ بِحَرِّ النَّارِ، وَإِطْلَاقُ الصَّلْيِ عَلَى الْإِحْرَاقِ تَهَكُّمٌ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْيَوْمَ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، أَيْ هَذَا الْيَوْمَ الْحَاضِرَ وَأُرِيدَ بِهِ جَوَابَ مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنِ اسْتِبْطَاءِ الْوَعْدِ وَالتَّكْذِيبِ إِذْ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يُونُس: ٤٨].
وَالْبَاءُ فِي بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ سَبَبِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ فِي الدُّنْيَا.
[٦٥]
[سُورَة يس (٣٦) : آيَة ٦٥]
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)
الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ نَخْتِمُ.
وَالْقَوْلُ فِي لَفْظِ الْيَوْمَ كَالْقَوْلِ فِي نَظَائِرِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ تَنْوِيهٌ بِذِكْرِهِ بِحُصُولِ هَذَا الْحَالِ الْعَجِيبِ فِيهِ، وَهُوَ انْتِقَالُ النُّطْقِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُعْتَادِ إِلَى الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ.

صفحة رقم 49

وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ فِي أَفْواهِهِمْ- أَيْدِيهِمْ- أَرْجُلُهُمْ- يَكْسِبُونَ عَائِدَةٌ عَلَى الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [يس: ٦٣] عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ. وَأَصْلُ النَّظْمِ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِكُمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيكُمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.
وَمُوَاجَهَتُهُمْ بِهَذَا الْإِعْلَامِ تَأْيِيسٌ لَهُمْ بِأَنَّهُم لَا يَنْفَعهُمْ إِنْكَارُ مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنْ صَحَائِفِ أَعْمَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الْإِسْرَاء: ١٤].
وَقَدْ طُوِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا وَرَدَ تَفْصِيلُهُ فِي آيٍ أُخَرَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَام: ٢٢- ٢٣] وَقَالَ: وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [يُونُس: ٢٨- ٢٩].
وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُخَاطِبُ الْعَبْدُ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلم؟ فَيَقُول: بلَى، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، فَيَخْتِمُ عَلَى فِيهِ. فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ»، وَإِنَّمَا طُوِيَ ذِكْرُ الدَّاعِي إِلَى خِطَابِهِمْ بِهَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ هُنَا فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَقْصُودِ.
وَقَدْ يُخَيَّلُ تَعَارُضٌ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النُّور: ٢٤]. وَلَا تَعَارُضَ لِأَنَّ آيَةَ يس فِي أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَآيَةَ سُورَةِ النُّورِ فِي أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ. وَالْمُرَادُ بِتَكَلُّمِ الْأَيْدِي تَكَلُّمُهَا بِالشَّهَادَةِ، وَالْمُرَادُ بِشَهَادَةِ الْأَرْجُلِ نُطْقُهَا بِالشَّهَادَةِ، فَفِي كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ احْتِبَاكٌ. وَالتَّقْدِيرُ: وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ فَتَشْهَدُ وَتُكَلِّمُنَا أَرْجُلُهُمْ فَتَشْهَدُ.
وَيَتَعَلَّقُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بِكُلٍّ مِنْ فِعْلَيْ تُكَلِّمُنا وتَشْهَدُ عَلَى وَجْهِ التَّنَازُعِ.
وَمَا يَكْسِبُونَهُ: هُوَ الشِّرْكُ وَفُرُوعُهُ. وَتَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَلْحَقُوا بِهِ من الْأَذَى.

صفحة رقم 50

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية