وامتازوا اليوم أيها المجرمون٥٩ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين٦٠ وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم٦١ ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون٦٢ هذه جهنم التي كنتم توعدون٦٣ اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون٦٤ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون٦٥ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ٦٦ ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ٦٧ ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون ( يس : ٥٩-٦٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر ما للمحسنين من نعيم واجتماع بالمحبين والإخوان والأزواج في الجنات- أعقبه بذكر حال المجرمين وأنهم في ذلك اليوم يطلب منهم التفرق وابتعاد بعضهم من بعض، فيكون لهم عذابان : عذاب النار وعذاب الوحدة، ولا عذاب فوق هذا، ثم أردف هذا أنه قد كان لهم مندوحة من كل هذا بما أرسل إليهم من الرسل الذين بلغوهم أوامر ربهم ونواهيه، ومنها نهيهم عن اتباع خطوات الشيطان وعن اتباعه فيما يوسوس به، ثم ذكر أنه كان لهم فيمن قبلهم من العظات ما فيه مزدجر لهم لو تذكروا، لكنهم اتبعوا وساوسه، فحل بهم من النكال والوبال ما رأوا آثاره بأعينهم في الدنيا، وفيه دليل على ما سيكون لهم في العقبى، ثم ذكر مآل أمرهم وأنهم سيصلون نار جهنم خالدين فيها أبدا بما اكتسبت أيديهم، وهم في هذا اليوم لا ينطقون ببنت شفة، ولا تقبل منهم معذرة، بل تتكلم أيديهم بما عملت، وتشهد أرجلهم بما اكتسبت، ثم ذكر أنه رحمة منه بعباده لم يشأ أن يعاقبهم في الدنيا بشديد العقوبات، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم حتى لو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه ما قدروا ولا أبصروا، ولم يشأ أن يمسخ صورهم ويجعلهم كالقدرة والخنازير حتى لو أرادوا الذهاب إلى مقاصدهم ما استطاعوا، ولو أرادوا الرجوع ما قدروا، ثم دفع معذرة أخرى ربما احتجوا بها وهي أن ما عمروه قليل، ولو طال عمرهم لأحسنوا العمل، واهتدوا على الحق فرد ذلك عليهم بأنهم كلما عمروا في السن ضعفوا عن العمل وقد عمروا مقدار ما يتمكنون به من البحث والإدراك كما قال : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ( فاطر : ٣٧ ) ولكن ذلك ما كفاهم، فهم مهما طالت أعمارهم لا يجديهم ذلك فتيلا ولا قطميرا.
تفسير المفردات :
والختم على الأفواه : يراد به المنع من الكلام.
الإيضاح :
ثم بين أنهم في هذا اليوم لا يستطيعون دفاعا عن أنفسهم وتشهد عليهم أيبديهم وأرجلهم فقال :
اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون أي ففي هذا اليوم ينكر الكافرون ما اجترحوا في الدنيا من الشرور والآثام، ويحلفون أنهم ما فعلوا كما حكى الله عنهم من قولهم : والله ربنا ما كنا مشركين ( الأنعام : ٢٣ ) فيختم على أفواههم فلا تنطق ببنت شفة، ويستنطق جوارحهم بما اجترمت من الفسوق والعصيان الذي لم يتوبوا عنه.
ونسب الكلام إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل، من قبل أن الأولى لها مزيد اختصاص بمباشرة الأعمال، ومن ثم كثر نسبة العمل إليها في نحو قوله : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ( النبأ : ٤٠ ) وقوله : وما عملته أيديهم ( يس : ٣٥ ) وقوله : بما كسبت أيدي الناس ( الروم ٤١ ) ولا كذلك الثانية فكانت الشهادة بها أنسب، إذ هي كالأجنبية منها.
وجاء في الخبر :" يقول العبد يوم القيامة إني لا أجد علي شاهدا إلا من نفسي، فيختم الله على فيه ويقول لأركانه : انطقي، فتنطق بأعماله. ثم يخلي بينها وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل ".
وإذا كان المرء في دار الدنيا المملوءة أكاذيب ونفاقا يخجل فيحمر وجهه، ويوجل فيصفر وجهه ويتخذ القضاة من ذلك أدلة على إدانة المتهم. كما نقص آثار أقدام اللصوص والجناة ونتبعهم في السهل والجبل حتى إذا عثرنا عليهم قدمناهم للقضاء بشهادة هذه الآثار التي لا اشتباه فيها، كذلك نختم بأصابع المجرمين على الورق ( البصمة ) فلا تشاكل يد يدا، مما يجعل لذلك أجل قيمة في خدمة العدالة.
وإذا كان في عالمنا الجسماني فما بالك بعالم الأرواح التي يكون فيها لكل ذنب أو عمل حسن أثر في النفوس يولد فيه الخير أو الشر، حتى إذا انفصلت الأرواح من الأجساد ظهر ما انطبع فيها من خير أو شر ؟ وإلى هذا يشير قوله تعالى ذاكرا حال الحساب يوم القيامة : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( الإسراء : ١٤ ) فالنفس إذا هي الكتاب الذي لا غش فيه ولا كذب، فإذا صمت اللسان نطقت الجوارح كما ننطق آثارها اليوم، أي تدل على المراد أفصح دلالة، وترشد إلى المقصود أيما إرشاد، وهذا هو الذي ينبغي أن يفهم في الآية الكريمة.
تفسير المراغي
المراغي