ﰁﰂﰃ

تحت هذه الكلمة، كالقدوس: وهو الطاهر من كل عيب، والسلام: وهو الذي سلم من كل آفة، فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه، وكل نقص فهمناه.
١٨١ - ثم إن المرسلين لما كانوا وسائط بين الله، وبين عباده، نبه على علو شأنهم بقوله: وَسَلامٌ؛ أي: وسلامة، ونجاة من كل المكاره، وفوز بجميع المآرب، كائن عَلَى الْمُرْسَلِينَ الذين يبلّغون رسالات الله إلى الأمم، ويبيّنون لهم ما يحتاجون إليه من الأمور الدينية والدنيوية، أولهم آدم، وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، فهو تعميم للرسل، بالتسليم بعد تخصيص بعضهم فيما سبق؛ لأن تخصيص كل واحد بالذكر يطول.
١٨٢ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ؛ أي: على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء، وقيل: الغرض من ذلك: تعليم المؤمنين أن يقولوه، ولا يخلّوا به، ولا يغفلوا عنه، لما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى، من الأجر يوم القيامة، فليكن أخر كلامه إذا قام من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢). وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - غير مرة، ولا مرتين، يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢).
والمعنى: أي تنزيهًا لربك أيها الرسول، رب القوة والغلبة، عما يصفه به هؤلاء المفترون، من مشركي قريش من نحو قولهم: ولد الله، وقولهم: الملائكة بنات الله، وأمنة من الله سبحانه للمرسلين، الذين أرسلهم إلى أممهم من العذاب الأكبر، ومن أن ينالهم مكروه من قبله تعالى، والحمد لله رب الثقلين، الجن والإنس، خالصًا له دون من سواه؛ لأن كل نعمة لعباده، فهي منه.
الإعراب
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠).

صفحة رقم 293

فَاسْتَفْتِهِمْ الفاء: عاطفة، عطفت هذه الجملة على قوله في أول السورة: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا، وإن بعد المدى، قال البيضاوي: فَاسْتَفْتِهِمْ، معطوف على مثله في أول السورة، فأمر أولًا باستفتائهم عن وجه إنكار البعث، وساق الكلام في تقريره، جاريًا لما يلائمه من القصص، موصولًا بعضها ببعض، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات، ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله، وإن شئت قلت: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الله موصوفًا بصفات الكمال، وأردت توبيخ هؤلاء المشركين على زعمهم الفاسد.. فأقول لك: استفتهم على سبيل التوبيخ. استفتهم فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة أو الجملة معطوفة على ما تقدم في أول السورة. أَلِرَبِّكَ: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، لِرَبِّكَ: خبر مقدم. الْبَناتُ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مفعول ثان لـ استفتهم؛ لأنه بمعنى: اسألهم. و لَهُمُ: خبر مقدم. الْبَنُونَ: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها. أَمْ: حرف عطف معادلة للهمزة؛ كأن المستفهم يدّعي ثبوت أحد الأمرين، ويطلب تعيينه منهم قائلًا: أي هذين الأمرين تدعونه. خَلَقْنَا: فعل، وفاعل، الْمَلائِكَةَ: مفعول به. إِناثًا: حال من الملائكة. والجملة معطوفة عليه جملة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ. وَهُمْ: الواو: حالية. هُمْ: مبتدأ. شاهِدُونَ: خبر، والجملة في محل النصب حال من الملائكة أيضًا، ولكنها حال سببية، والرابط مقدر، تقديره: أم خلقنا الملائكة إناثا، والحال أنهم شاهدون خلقهم.
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦).
أَلا حرف تنبيه واستفتاح، إِنَّهُمْ: ناصب واسمه، مِنْ إِفْكِهِمْ: متعلق بـ يقولون لَيَقُولُونَ اللام: حرف ابتداء، وجملة يقولون: خبر

صفحة رقم 294

إن، وجملة إن: مستأنفة مسوقة لإبطال مذهبهم الفاسد، ببيان أنه إفك صريح، لا دليل يدعمه. وَلَدَ اللَّهُ: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ يقولون. وَإِنَّهُمْ: الواو: حالية، إِنَّهُمْ: ناصب واسمه، لَكاذِبُونَ: اللام: حرف ابتداء، كاذبون: خبر إن، وجملة إن في محل النصب حال من فاعل يقولون. أَصْطَفَى الهمزة المفتوحة، للاستفهام الإنكاري، استغني بها عن همزة الوصل، في التوصل إلى النطق بالساكن. أَصْطَفَى الْبَناتِ فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول به، عَلَى الْبَنِينَ، متعلق بـ أَصْطَفَى بتضمينه معنى أفضل. وجملة الاستفهام، جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ما اسم استفهام على وجه الإنكار في محل الرفع مبتدأ، و لَكُمْ خبره، والجملة مستأنفة. كَيْفَ اسم استفهام للاستفهام التعجبي في محل النصب على الحال من فاعل تَحْكُمُونَ أو على المفعولية المطلقة، والتقدير: أي حكم تحكمون. و تَحْكُمُونَ: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة أيضًا. فليس لإحدى الجملتين تعلق بالأخرى، كما مر. أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) الهمزة للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتغفلون عن الحقائق فلا تذكرون. لا: نافية. تَذَكَّرُونَ: فعل، وفاعل معطوف على تلك المحذوفة. أَمْ: حرف عطف بمعنى: بل، وهمزة الاستفهام الإنكاري. لَكُمْ: خبر مقدم. سُلْطانٌ: مبتدأ مؤخر. مُبِينٌ: صفة سُلْطانٌ. والجملة معطوفة على جملة أَصْطَفَى الْبَناتِ.
فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨).
فَأْتُوا الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت افتراءهم فيما يقولون، وأردت الزام الحجة لهم.. فأقول لك: قل لهم: ائتوا بكتابكم. ائتوا: فعل أمر، وفاعل. بِكِتابِكُمْ: متعلق به. والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. إِنْ: حرف شرط. كُنْتُمْ صادِقِينَ: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم

صفحة رقم 295

بـ إِنْ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجوابها معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين فائتوا بكتابكم، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. وَجَعَلُوا فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. بَيْنَهُ: ظرف، متعلق بـ جَعَلُوا على كونه مفعولًا ثانيًا لـ جَعَلُوا. وَبَيْنَ الْجِنَّةِ: ظرف ومضاف إليه، معطوف على الظرف الأول. نَسَبًا مفعول أول لـ جعل، وَلَقَدْ: الواو: حالية، واللام: موطئة للقسم. قد حرف تحقيق. عَلِمَتِ الْجِنَّةُ: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب على الحال من الجنة. إِنَّهُمْ ناصب واسمه، لَمُحْضَرُونَ: اللام: حرف ابتداء. محضرون: خبر إن، وجملة إن في محل النصب، سادة مسد مفعولي علم.
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤).
سُبْحانَ اللَّهِ: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوا الله سبحانًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. عَمَّا: جار ومجرور متعلق بـ سُبْحانَ، وجملة يَصِفُونَ: صلة ما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: عما يصفونه به، إِلَّا: أداة استثناء، عِبادَ اللَّهِ: استثناء منقطع من المحضرين، كأنهم ليسوا من جنسهم، ويحتمل أن يكون استثناء من فاعل جَعَلُوا أو من فاعل يَصِفُونَ؛ أي: لكن عباد الله المخلصين ناجون. الْمُخْلَصِينَ صفة فَإِنَّكُمْ الفاء: استئنافية. إنكم: ناصب واسمه، وَما تَعْبُدُونَ: الواو: واو المعية، ما اسم موصول في محل النصب على أنه مفعول معه، وقد سدت مسد خبر إن؛ أي: إنكم وآلهتكم قرناء، لا تزالون تعبدونها على حد قولهم: كل رجل وضيعته؛ أي: مقترنان. وجملة إن: مستأنفة. ما: نافية أو حجازية. أَنْتُمْ: اسمها، عَلَيْهِ متعلق بـ فاتنين، بِفاتِنِينَ: خبر ما، والباء: زائدة. والجملة مستأنفة. ويجوز أن تكون جملة ما: الحجازية خبر إن: على أن الواو: عاطفة لا معية في قوله: {وَمَا

صفحة رقم 296

تَعْبُدُونَ}. ومفعول فاتنين: محذوف؛ أي: أحدًا. والمعنى: ما أنتم ولا معبودكم بفاتنين؛ أي: مفسدين عليه تعالى أحدًا من عباده. إِلَّا: أداة استثناء من مفعول فاتنين المحذوف. مَنْ: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، هُوَ: مبتدأ، صالِ: خبر مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وقد أفرد حملًا على لفظ مَنْ: كما أفرد لفظ هُوَ، كذلك الْجَحِيمِ: مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول. وَما مِنَّا الواو: استئنافية. ما: نافية. مِنَّا: خبر مقدم، والمبتدأ محذوف أقيمت صفته مقامه، والتقدير: وما كائن منا أحد إلا له مقام معلوم إِلَّا: أداة استثناء مفرغ. لَهُ: خبر مقدم. مَقامٌ: مبتدأ مؤخر. مَعْلُومٌ: صفة مَقامٌ. والجملة الاسمية صفة للمبتدأ المحذوف. وما كائن منا إلا أحد موصوف بكون مقام معلوم له على حد قوله:

أَنَا ابْنُ جَلا وَطَلّاعِ الثَّنَايَا مَتَى أَضَعِ العِمَامَةَ تَعْرِفُونِي
ويجوز أن تكون مِنَّا: صفة لمحذوف هو المبتدأ، والخبر جملة إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ؛ أي: وما أحد كائن منا، إلا له مقام معلوم. إِلَّا: أداة حصر، لَهُ: خبر مقدم، مَقامٌ: مبتدأ مؤخر، مَعْلُومٌ: صفة مَقامٌ، والجملة خبر لذلك المحذوف.
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠).
وَإِنَّا الواو: عاطفة. إِنَّا: ناصب واسمه، لَنَحْنُ اللام: حرف ابتداء. نحن: مبتدأ أو ضمير فصل، و الصَّافُّونَ: خبر نحن، وجملة نحن: خبر إِنَّا: أو الصَّافُّونَ: خبر إِنَّا، وجملة إن: معطوفة على جملة قوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤). وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) معطوف أيضًا على الآية السابقة، وإن الواو: عاطفة. إن: مخففة من الثقيلة مهملة، أو اسمها ضمير الشأن، كانُوا: فعل ناقص واسمه. لَيَقُولُونَ: اللام: حرف ابتداء، وجملة يقولون: خبر كان، وجملة كان في محل

صفحة رقم 297

الرفع خبر إن المخففة، وجملة إن المخففة معطوفة على ما قبلها. لَوْ: حرف شرط غير جازم إِنْ: حرف نصب، عِنْدَنا: ظرف، ومضاف إليه، خبر أَنَّ مقدم على اسمها، ذِكْرًا اسمها مؤخر. مِنَ الْأَوَّلِينَ صفة لـ ذِكْرًا وجملة أن من اسمها وخبرها في تأويل مصدر، مرفوع على كونه فاعلًا لفعل محذوف بعد لَوْ الشرطية؛ لأن لَوْ: الشرطية، لا يليها إلا الفعل، والتقدير: لو ثبت كون ذكر من الأولين عندنا. لَكُنَّا اللام: رابطة لجواب لَوْ الشرطية، كنا: فعل ناقص واسمه، عِبادَ اللَّهِ خبره، الْمُخْلَصِينَ صفة لعباد الله، وجملة كان: جواب لـ لَوْ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. وجملة لَوْ الشرطية في محل النصب مقول لـ يقولون. فَكَفَرُوا بِهِ الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فجاءهم ذكر أي ذكر فَكَفَرُوا بِهِ. كفروا: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف، بِهِ متعلق بـ كفروا، فَسَوْفَ الفاء: عاطفة، سوف: حرف تنفيس للاستقبال البعيد، يَعْلَمُونَ فعل وفاعل، معطوف على كفروا.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣).
وَلَقَدْ سَبَقَتْ الواو: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. قد: حرف تحقيق. سَبَقَتْ كَلِمَتُنا: فعل، وفاعل. لِعِبادِنَا: متعلق بـ سَبَقَتْ. الْمُرْسَلِينَ صفة لـ عبادنا، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. إِنَّهُمْ: ناصب واسمه، لَهُمُ اللام: حرف ابتداء. هم: ضمير فصل، الْمَنْصُورُونَ: خبر إن، وجملة إن جملة مفسرة لـ كَلِمَتُنا، لا محل لها من الإعراب. وَإِنَّ جُنْدَنا الواو: عاطفة، إِنَّ حرف نصب، جُنْدَنا اسمها، لَهُمُ اللام: حرف ابتداء، هم ضمير فصل، الْغالِبُونَ خبر إِنَّ، وجملة إِنَّ: معطوفة على جملة إِنَّ المذكورة قبلها.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩).

صفحة رقم 298

فَتَوَلَّ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن النصر، والغلبة، والعاقبة لك، وأردت بيان ما هو الأصلح لك.. فأقول لك: تول عنهم. تول: فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد - ﷺ -، عَنْهُمْ: جار ومجرور، متعلق بـ تول، حَتَّى حِينٍ: جار ومجرور، متعلق بـ تول أيضًا. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. وَأَبْصِرْهُمْ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، ومفعول به. معطوف على تول، فَسَوْفَ: الفاء: عاطفة. سوف: حرف تنفيس. يُبْصِرُونَ: فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: ما يحيق بهم جزاء كفرهم. والجملة معطوفة على جملة أَبْصِرْهُمْ عطف إخبار على إنشاء. أَفَبِعَذابِنا الهمزة: للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد هذا التكرير من الوعيد، ينكرون عذابنا، فيستعجلون به. بعذابنا: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ يَسْتَعْجِلُونَ، يَسْتَعْجِلُونَ: فعل، وفاعل، معطوف على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. فَإِذا نَزَلَ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت هذا الوعيد المكرر لهم، وأردت بيان عاقبتهم.. فأقول لك إذا نزل. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. نَزَلَ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على العذاب، بِساحَتِهِمْ متعلق بـ نَزَلَ. والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. فَساءَ الفاء: رابطة لجواب إذا وجوبًا لكون الجواب جملة جامدية، ساء فعل ماض لإنشاء الذم، صَباحُ الْمُنْذَرِينَ فاعل، ومضاف إليه، والجملة جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: صباحهم، وجملة إذا الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. وَتَوَلَّ: فعل، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، عَنْهُمْ متعلق به، والجملة معطوفة على نظيرتها السابقة آنفًا. حَتَّى حِينٍ: متعلق بـ تول أيضًا. وَأَبْصِرْ: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -،

صفحة رقم 299

معطوف على تول، وحذف المفعول اختصارا لدلالة الأول عليه، فَسَوْفَ الفاء: عاطفة، سوف يبصرون فعل وفاعل، معطوف على أبصر.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢).
سُبْحانَ: مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبح ربك سبحانًا، والجملة مستأنفة. رَبِّكَ: مضاف إليه، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، رَبِّ الْعِزَّةِ: بدل من ربك، بدل كل من كل. عَمَّا: جار ومجرور متعلق بـ سُبْحانَ، وجملة يَصِفُونَ: صفة لـ ما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يصفونه به. وَسَلامٌ الواو: عاطفة. سَلامٌ: مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء به، عَلَى الْمُرْسَلِينَ: خبر، والجملة معطوفة على جملة سُبْحانَ عطف إخبار على إنشاء؛ لأنه في معنى الإنشاء. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ: مبتدأ وخبر، معطوف على ما قبله، رَبِّ الْعالَمِينَ: صفة للجلالة أو بدل منه، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
فَاسْتَفْتِهِمْ من الاستفتاء، وهو طلب الفتوى، والفتوى، وكذا الفتيا: الجواب عما أشكل من الأحكام، يقال: استفتيته فأفتاني بكذا، والمراد بالاستفتاء هنا: الاستخبار. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا الإناث ككتاب، جمع الأنثى، من أنث أنوثة إذا ضعف، والألف في الأنثى، ألف التأنيث المقصورة، فلذلك لا يصرف. مِنْ إِفْكِهِمْ والإفك: أسوأ الكذب، وأقبحه، وأشده عقوبة. أَصْطَفَى الْبَناتِ بفتح الهمزة على أنها همزة الاستفهام الإنكاري، دخلت على ألف الافتعال، أصله أاصطفى، فحذفت همزة الافتعال التي هي همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام. وأصل أَصْطَفَى: اصتفى من الصفوة، قلبت تاء الافتعال طاء، لوقوعها بعد حرف الإطباق. والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء لنفسه.

صفحة رقم 300

أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) بحذف إحدى التاءين لثقل توالي المثلين، أصله: تتذكرون، إحداهما تاء المضارعة، والأخرى تاء المطاوعة.
وَبَيْنَ الْجِنَّةِ الجنة بكسر الجيم: جماعة الجن، والملائكة أيضًا كما في «القاموس»، والمراد هنا: الملائكة، وسموا جنة لاجتنانهم، واستتارهم عن الأبصار، ومنه: سمي الجنين، وهو المستور في بطن الأم، والجنون، لأنه خفاء العقل، والجنة بالضم: الترس، لأنه يجن صاحبه، ويستره. والجنة بالفتح، لأنها كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض. فمن له اجتنان عن الأعين.. فهو جنس يندرج تحته الملائكة، والجن المعروف. قالوا: الجن واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرًا فهو شيطان. ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرًا فهو ملك. قال الراغب: يقال الجن على وجهين:
أحدهما: للروحانيين المستترة عن الحواس كلها، بإزاء الإنس، فعلى هذا يدخل فيه الملائكة والشياطين، فكل ملائكة جن، وليس كل جن ملائكة.
وقيل الثاني: بل الجن بعض الروحانيين. وذلك أن الروحانيين ثلاثة أقسام: أخيار وهم الملائكة، وأشرار وهم الشياطين، وأوساط فهم أخيار وأشرار وهم الجن. ويدل على ذلك قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ إلى قوله: وَمِنَّا الْقاسِطُونَ.
نَسَبًا النسب، والنسبة: اشتراك من جهة الأبوين، وذلك ضربان:
نسب بالطول: كالاشتراك بين الآباء والأبناء.
ونسب بالعرض: كالنسبة بين الإخوة وبني العم. وقيل: فلان نسيب فلان؛ أي: قريبه.
بِفاتِنِينَ والفاتن هنا بمعنى: المضل والمفسد، يقال: فتن فلان على فلان امرأته؛ أي: أفسدها عليه، وأضلها حاملا لها على عصيان زوجها، فعدّي الفاتن بعلى لتضمينه معنى الحمل والبعث.
إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) صال بالكسر أصله: صالي على وزن فاعل

صفحة رقم 301

من الصلي، وهو الدخول في النار، يقال: صلي فلان النار يصلي صليًا من الباب الرابع، دخل فيها واحترق، فأعلّ كقاض، فترفعه بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، فلما أضيف إلى الجحيم سقط التنوين، وأفرد حملًا على لفظ مَنْ. والمعنى: داخل النار، ومعذب فيها.
كَلِمَتُنا؛ أي: وعدنا. لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ؛ أي: الغالبون في الحرب، وغيرها. وَإِنَّ جُنْدَنا؛ أي: أتباع رسلنا. والجند: العسكر. وفي المصباح: الجند: الأنصار، والأعوان، والجمع أجناد، وجنود، والواحد جندي، فالياء للوحدة مثل: روم رومي، وجند بفتحتين: بلد باليمن، اهـ.
بِساحَتِهِمْ قال الراغب: الساحة: المكان الواسع، ومنه: ساحة الدار، والسائح: الماء الجاري في الساحة، وساح فلان في الأرض مر مر السائح، ورجل سائح وسياح. وفي «حواشي ابن الشيخ»: الساحة: الفناء الخالي من الأبنية، وفناء الدار بالكسر ما امتد من جوانبها معدًا لمصالحها، وجمعها سوح، فألفها منقلبة عن واو، فتصغر على سويحة. وفي «المصباح»: الفناء بوزن كتاب: الوصيد، وهو سعة أمام الدار وقيل: ما امتد من جوانبه، اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين الْبَناتِ الْبَنِينَ.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ. وكان مقتضى السياق أن يقال: وجعلتم للإيذان بانقطاعهم عن درجة الخطاب، واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم، وتحكى جناياتهم لآخرين كما في «الكرخي».
ومنها: تتابع الاستفهامات، وتكراره في قوله: أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، وقوله: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا، وقوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) وقوله: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) للتقريع والتوبيخ.

صفحة رقم 302

ومنها: جمع المؤكدات لتحقيق المعنى، وتقريره في قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣). فقد أكدت كل من الجملتين بأن، وباللام، وباسمية الجملة.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) فقد شبه العذاب النازل بهم، بعدما أنذروا به، فلم يبالوا الإنذار، وأصموا آذانهم عنه بجيش، أنذر بهجومه قومه بعض نصاحهم، فلم يكترثوا لإنذاره، ولم يتخذوا الأهبة والاحتياط حتى اجتاحهم جيش العدو، ففي الضمير المستتر في نَزَلَ استعارة بالكناية. والنزول: تخييل، كما في «البيضاوي».
ومنها: إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساء صباحهم.
ومنها: حذف مفعول أبصر الثاني إما اختصارًا لدلالة الأول عليه، وإما اقتصارًا، اهـ «سمين».
ومنها: إضافة رب إلى العزة في قوله: رَبِّ الْعِزَّةِ لاختصاصه بها، كأنه قيل: ذي العزة كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به.
ومنها: تعميم الرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم في قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١).
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *

صفحة رقم 303

مجمل ما حوته هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - التوحيد، ودليله في الآفاق والأنفس.
٢ - خلق السموات والأرض، ووصفه سبحانه لذلك.
٣ - إنكار المشركين للبعث، وما يتبع ذلك من محاورة أهل الجنة لأهل النار، وهم يطلعون عليهم.
٤ - وصف الجنة، ونعيمها.
٥ - قصص بعض الأنبياء: كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل.
٦ - دفع فرية قالها المشركون، وتوبيخهم عليها، إذ قالوا: الملائكة بنات الله.
٧ - تنزيه الله عن ذلك.
٨ - بيان أن المشركين لا يفتنون إلا ذوي الأحكام الضعيفة، المستعدة للإضلال.
٩ - وصف الملائكة بأنهم صافون مسبحون.
١٠ - مدح المرسلين، وسلام الله عليهم.
١١ - حمد الله، وثناؤه على نفسه، بأنه رب العزة، ورب الخلق أجمعين.
والله أعلم
* * *

صفحة رقم 304

سورة ص
سورة ص مكية، قال القرطبي عند الجميع. ويقال لها: سورة داود عليه السلام. وآيها ست، وقيل: ثمان وثمانون آية. وكلماتها: سبع مئة واثنتان وثلاثون كلمة. وحروفها: ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفًا، وقيل: تسعة وتسعون.
التسمية: واسمها: سورة ص، ويقال لها: سورة داود لذكر قصة داود فيها، وسميت سورة ص، وهو حرف من حروف الهجاء، إشارة إلى فضل هذا الكتاب المعجز، الذي تحدى الله به الأولين والآخرين، وهو المنظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال محمد بن حزم - رحمه الله -: سورة ص كلها محكم إلا آيتين:
أولهما: قوله تعالى: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) الآية (٧٠) نسخت بآية السيف.
الثانية: قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) الآية (٨٨)، نسخت أيضًا بآية السيف.
فضلها: ومن فضائلها: ما روي (١) عن النبي - ﷺ -: «من قرأ سورة ص.. كان له بوزن كل جبل سخّره الله لداود عشر حسنات، وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير». ولكن فيه مقال.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (٢): أنها جاءت كالمتممة لها من وجهين:

(١) البيضاوي.
(٢) المراغي.

صفحة رقم 305

١ - أنه ذكر فيها من قصص الأنبياء، ما لم يذكر في تلك كداود، وسليمان.
٢ - أنه بعد أن حكى فيما قبلها عن الكفار، أنهم قالوا: لو أن عندنا ذكرًا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين، وأنهم كفروا بالذكر لما جاءهم.. بدأ عز اسمه هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، وفصّل ما أجمله هناك من كفرهم.
وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه السورة لآخر ما قبلها، أنه لما ذكر عن الكفار، أنهم كانوا يقولون: لو أن عندنا ذكرا من الأولين؛ لأخلصوا العبادة لله، وأخبر أنهم أتاهم الذكر فكفروا به.. بدأ في هذه السورة بالقسم بالقرآن؛ لأنه الذكر الذي جاءهم، وأخبر عنهم أنهم كافرون، وأنهم في تعزز مشاقة للرسول الذي جاء به، ثم ذكر من أهلك من القرون، التي شاقّت الرسل ليتعظوا.
والله أعلم
* * *

(١) البحر المحيط.

صفحة رقم 306

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦).
المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبة بين أول هذه السورة، وآخر السابقة آنفًا.
قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ.. الآية، مناسبة هذه الآية لما

صفحة رقم 307

قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنهم إنما توانوا، وتكاسلوا عن النظر والاستدلال، لأنهم لم ينزل بهم العذاب.. بيّن في هذه الآيات أن أقوام الأنبياء الماضين، كانوا كذلك حتى حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وفي هذا، تخويف لأولئك الكافرين، الذين كذبوا الرسول - ﷺ -.
قوله تعالى: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)... الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما تقدم، أن القوم إنما تعجبوا لشبهات تتعلق بالتوحيد، والنبوات، والمعاد.. فأشار إلى الأولى بقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا، وإلى الثانية بقولهم: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا. أشار هنا إلى الثالثة بقوله: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) سخريةً وتهكمًا حين سمعوا بالمعاد، وأن هناك دارًا أخرى يحاسبون فيها، ويجازون على ما يعملون، ثم أمر رسوله بالصبر على أذى المشركين، وعلى ما يقولون في شأنه من أنه شاعر، وأنه مفتر كذاب.
قوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ... الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أمر رسوله، بالصبر على أذى المشركين.. أردف ذلك، ذكر قصص بعض الأنبياء الذين حدث لهم من المشاق والأذى، مثل ما حدث له، فصبروا حتى فرّج الله تعالى عنهم، وأحسن عاقبتهم، ترغيبًا له في الصبر وإيذانا ببلوغه ما يريد، كما كان ذلك عاقبة من قبله.
قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ... الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه (١)، لما مدح داود، وأثنى عليه بما سلف.. أردف ذلك، ذكر نبأ عجيب من أنبائه، مشوقًا إليه السامع، ومعجبًا له.
قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ... الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما قص علينا قصص داود عليه السلام، والخصمين.. أردف ذلك، ببيان أنه فوّض إلى داود خلافة الأرض، وأوصاه بالحكم بين الناس

(١) المراغي.

صفحة رقم 308

حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي

راجعه

هاشم محمد علي مهدي

الناشر دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
سنة النشر 1421
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية