أتخذناهم سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار قال مجاهد : المعنى أتخذناهم سخرياً في الدنيا، فأخطأنا، أم زاغت عنهم الأبصار، فلم نعلم مكانهم ؟ والإنكار المفهوم من الاستفهام متوجه إلى كل واحد من الأمرين. قال الحسن : كل ذلك قد فعلوا : اتخذوهم سخرياً، وزاغت عنهم أبصارهم. قال الفراء : والاستفهام هنا بمعنى : التوبيخ والتعجب. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، والأعمش بحذف همزة اتخذناهم في الوصل. وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خبراً محضاً، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية ل رجالاً ، وأن يكون المراد : الاستفهام، وحذفت أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأوّل منقطعة بمعنى : بل، والهمزة، أي : بل أزاغت عنهم الأبصار على معنى : توبيخ أنفسهم على الاستسخار، ثم الإضراب، والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير، وعلى الثاني أم هي المتصلة. وقرأ الباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، ولا محل للجملة حينئذٍ، وفيه التوبيخ لأنفسهم على الأمرين جميعاً ؛ لأن أم على هذه القراءة هي للتسوية. وقرأ أبو جعفر، ونافع، وشيبة، والمفضل، وهبيرة، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي :" سخرياً " بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها. قال أبو عبيدة : من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : وَغَسَّاقٌ قال : الزمهرير وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ قال : من نحوه أزواج قال : ألوان من العذاب. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» قال الترمذي بعد إخراجه : لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قلت : ورشدين فيه مقال معروف. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله : فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً في النار قال : أفاعي وحيات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : بالملإ الأعلى قال : الملائكة حين شوروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا : لا تجعل في الأرض خليفة. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ قال : هي الخصومة في شأن آدم حيث قالوا : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا [ البقرة : ٣٠ ]. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن نصر في كتاب الصلاة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أتاني الليلة ربي في أحسن صورة، أحسبه قال في المنام قال : يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديّي، أو في نحري، فعلمت ما في السماوات والأرض، ثم قال لي : يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : نعم في الكفارات، والكفارات : المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره»، الحديث. وأخرج الترمذي وصححه، ومحمد بن نصر، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه، وقال :«وإسباغ الوضوء في السبرات» وأخرج الطبراني، وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة نحوه بأخصر منه. وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث.