ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

قوله تعالى : أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً في نصب «صفحاً » خمسةُ أوجه :
أحدهما : أنه مصدر في معنى يضرب١ ؛ لأنه يقال : ضَرَبَ عَنْ كَذَا وأَضْرَبَ عَنْهُ بمعنى أعْرَضَ عنه وصَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ قال :

٤٣٨٩ اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ٢
والتقدير : أفنصفح عنكم الذكر، أي أفَنُزِيلُ القرآن عنكم إزالةً، يُنْكِرُ عليهم ذلك.
الثاني : أنه منصوب على الحال من الفاعل أي صافحين٣.
الثالث : أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفاً، نحو : صُنْعَ الله [ النمل : ٨٨ ] قاله ابن عطية٤.
الرابع : أن يكون مفعولاً من أجله٥.
الخامس : أن يكون منصوباً على الظرف.
قال الزمخشري : و«صَفْحاً » على وجهين : إما مصدر من صَفَحَ عنه إذَا أعرض عنه، منتصب على أنه مفعول له، على معنى أَفَنَعْزِلُ عَنْكُمْ إنْزَالَ القُرْآنِ وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم ؟ وإما بمعنى الجانب من قولهم : نَظَرَ إلَيْهِ بصفح وجهه، وصفح وجهه بمعنى أفَنُنَحِّيهِ عَنْكُمْ جانباً ؟ فينتصب على الظرف، نحو : ضَعْهُ جانباً، وأمْش جنباً، وبعضده قراءة : صُفْحاً بالضم٦. يشير إلى قراءة حَسَّانِ بْنِ عبد الرحمن الضُّبَعيَّ٧ وسُمَيْطِ بن عُمَر٨ وشُبَيْل بن عَزرَةَ٩ قرأوا : صُفْحاً بضم الصاد وفيه احتمالات :
أحدهما : ما ذكره من كونه لُغَةً في المفتوح، ويكون ظرفاً١٠. وظاهر عبارة أبي البقاء أنه يجوز فيه ما جاز في المفتوح ؛ لأنه جعله لغة فيه كالسَّدِّ والسُّدِّ١١.
والثاني : أنه جمع صَفُوحٍ، نحو : صَبُورٍ، وصُبْر، فينتصب حالاً من فاعل «يَضْرِبُ »١٢ وقدَّرَ الزمخشري على عادته فعلاً بين الهمزة والفاء، أي : أَنُهْمِلُكُمْ فَنَضْرِبُ١٣. وقد تقدم ما فيه.
قوله : أَن كُنتُمْ قرأ نافع والأَخَوَانِ بالكسر، على أنها١٤ شرطيه. وَإسْرَافُهُمْ كان مُتَحَقِّقاً و«إنْ » إنما تدخل على غير المُتَحَقّق أو المتحقق المبهم الزمان.
وأجاب الزمخشري : أنه من الشرط الذي يصدر عن المُدْلِي١٥ بصحة الأمر والتحقيق لثبوته كقوله الأجير :«إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ عَمَلاً فَوَفِّني حَقِّي »، وهو عالم بذلك، ولكنه تخيل في كلامه أن تفريطَك في إيصال حقي١٦ فعل من له شك في استحقاقه إيَّاه تجهيلاً لهم١٧.
وقيل : المعنى على المُجَازَاة، والمعنى أفنضرب عنكم الذكر صفحاً متى أسْرَفْتُم، أي إنكم غير متروكين من الإنذار متى كنتم قوماً مسرفين١٨. وهذا أراد أبو البقاء بقوله : وقرئ : إن بكسرها على الشرط وما تقدم يدل على الجواب١٩، والباقون بالفتح على العلة، أي لأَنْ كُنْتُمْ كقوله :
٤٣٩٠ أَتَجْزَعُ أَنْ بَانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ . . . . . . . . . . . . . . . . ٢٠
ومثله قوله :
٤٣٩١ أَتَجْزَعُ أَن أُذْنَا قُتَيْبَةَ جُزَّتَا . . . . . . . . . . . . . . . . . ٢١
يروى بالكسر والفتح، وقد تقدم نحوٌ من هذا أول المائدة. وقرأ زيدُ بنُ عليّ : إذا بذالٍ عوضِ النون٢٢ وفيها معنى العلة، كقوله : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ [ آل عمران : ١٣٩ ].

فصل


قال الفراء٢٣ والزجاج٢٤ : يقال : ضَرَبْتُ عَنْهُ وأَضْرَبْتُ عَنْهُ. أي تَرَكْتُهُ ومَسَكْتُ عَنْهُ، وقوله :«صَفْحاً » أي إعراضاً، والأصل فيه : إنك تَوَلَّيْتَ٢٥ بصَفْحَةِ عُنُقِكَ. والمراد بالذكر عذابُ الله. وقيل : أفنرُدُّ عنكم النصائح والمواعظ والأعذار بسبب كونكم مسرفين، وقيل : أَفَنَرُدُّ عنكم القرآن٢٦، وهذا الاستفهام على سبيل الإنكار، والمعنى : أفنترك عنكم الوحي، ونمسك عن إنزال القرآن، فلا نأمركم ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان ؟ وهذا قول قتادةَ وجماعةٍ، قال قتادة : والله لو كان هذا القول٢٧ رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنةً أو ما شاء الله.
وقيل : معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين مُعْرِضينَ٢٨. وقال الكسائي : أفنطوي عنك الذّكْرَ طَيًّا، فلا تدعون ولا توعظون٢٩، وقال الكلبي : أَفَنَتْركُكُم سُدًى، لا نأمركم ولا نَنْهَاكُمْ٣٠. وقال مجاهد والسدي : أفَنُعْرِضُ عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم٣١.
١ في ب نضرب بالنون، وانظر البيان ٢/٣٥٢..
٢ من المنسرح لطرفة، وروي البيت: بالسوط بدل بالسيف وهي رواية قليلة بجانب الرواية الأولى. والشاهد: أن الضرب بمعنى الإعراض والنسيان أن انس ذلك وأعرض عنه ولا تتذكره فهو مجاز. وانظر النوادر لأبي زيد ١٦٥، والكشاف ٣/٣٧٨ والبحر المحيط ٨/٥ واللسان ٣٧٥٢، والخصائص ١/١٢٦، والممتع ١/٣٢٣ وشرح المفصل لابن يعيش ٩/٤٤، والمغني ٦٤٢ والإنصاف ٥٦٨ وشرح شواهد المغني للسيوطي ٩٣٣ والهمع ٢/٧٩ والأشموني ٣/٢٢٨..
٣ التبيان ١١٣٨..
٤ البحر المحيط ٨/٦..
٥ الكشاف ٣/٤٧٨..
٦ السابق مع اختلاف بسيط في العبارة..
٧ روي عن النبي، وهم ابن عمر، انظر أسد الغابة ٢/٢٥٨..
٨ السدوسي أبو عبد الله البصري عن أبي موسى وعنه عاصم الأحول، الخلاصة ١٦٢..
٩ الضبعي أبو عمرو البصري أحد أئمة العربية، عن أنس، وشهر بن حوشب، وعنه الزبيدي وشعبة انظر خلاصة الكمال. المرجع السابق. وهذه القراءة شاذة غير متواترة انظر الشواذ لابن خالويه ١٣٤..
١٠ قاله السمين في الدر ٤/٧٧٢..
١١ قال: قرئ بضم الصاد، والأشبه أن يكون لغة. انظر التبيان له ١١٣٧..
١٢ ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/٤٧٨..
١٣ المرجع السابق..
١٤ ذكره مكي في الكشف ٢/٢٥٥ وهي سبعية وانظر أيضا الكشاف ٣/٤٧٨..
١٥ في الكشاف: عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته..
١٦ وفيه: أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه استجهالا له. وانظر الكشاف ٣/٤٧٨..
١٧ واللفظ لشهاب الدين السمين في الدر ٤/٧٧٣ نقلا بالمعنى عن الزمخشري..
١٨ المرجع السابق..
١٩ التبيان ١١٣٧ وقد قرأ بالكسر أيضا مع نافع وحمزة الكسائي والأعمش، وانظر الكشف لمكي ٢/١٥٥. ومعاني القرآن للفراء ٣/٢٧ والإتحاف ٣٨٤، والسبعة ٥٨٤..
٢٠ صدر بيت من الطويل، ولم أعرف قائله وعجزه:
............................... وحبل الصفا من عزة المتقطع
والخليط: القوم الذين أمرهم واحد، والشاهد: ورود البيت بكسر الهمزة وفتحها فالفتح على تقدير حرف العلة، أي لأن، والكسر على شرط وتقدير الفتح: أتجزع لبين الخليط، وقد أوضح الزمخشري قبل كسر الهمزة على الشرطية وانظر معاني الفراء ٢/١٣٤ و٣/٢٨، والخزانة ٩/٨٠ والدر المصون ٤/٧٧٣..

٢١ من الطويل كسابقه وهو للفرزدق في هجاء جرير، ومدح سليمان بن عبد عبد الملك وعجزه:
................................ جهارا ولم تجزع لقتل ابن خازم
وقتيبة هو ابن مسلم الباهلي القائد المشهور، وابن خازم أمير خراسان، وحزتا: قطعتا. ويروى البيت أتغضب بدل: أتجزع، والمعنى واحد وشاهده كسابقه وورود البيت بالكسر والفتح، فالفتح على تقدير حرف الجر وهو لام العلة والكسر على الشرط كما أجاب عن ذلك الزمخشري والكسر فيه وفي البيت قبله وارد كورود الفتح، وهنا في البيت يقدر فعل دل عليه حز، كقوله: إذا السماء انشقتوانظر الكتب ٣/١٦١ ومعاني الفراء ٣/٢٧، والخزانة ٩/٧٨، ٨٦ والهمع ٢/١٩ والمغني ٢٦ و٣٥ و٣٦ وشرح الشواهد ٨٦، والدر المصون ٣/٧٧٣ وديوانه ٢/٣١١..

٢٢ البحر المحيط ٨/٦..
٢٣ انظر معاني القرآن للفراء ٣/٢٨..
٢٤ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٤٠٥..
٢٥ في الرازي والنسختين تولية..
٢٦ لرازي ٢٧/١٩٣، ١٩٤ والقرطبي ١٦/٦٢..
٢٧ الرازي ٢٧/١٩٣، ١٩٤ والقرطبي ١٦/٦٢..
٢٨ الكشاف ٣/٤٧٨..
٢٩ القرطبي ١٦/٦٢..
٣٠ ونسب الرأي للسدي انظر السابق..
٣١ السابق أيضا..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية