ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

وبعدما بيَّن علو شأنه، وبيَّن أنه أنزله بلغتهم ؛ ليعلموه، ويؤمنوا به، ويعملوا بما فيه، عقَّبَ ذلك بإنكار أن يكون الأمر بخلافه، فقال : أفَنَضرِِبُ عنكم الذِكرَ أي : ننحيه ونُبعده. والضرب : مجاز، من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوض. وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجيه الذكر إليهم، وملازمته لهم، كأنه يتهافت عليهم ثم يضربه عنهم. والفاء : للعطف على محذوف ؛ أي : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صَفْحاً أي : إعراضاً، مصدر، من : صفَح عنه : إذا أعرض، منصوب على أنه مفعول له، على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن، وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم. ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لما دلّ عليه " نضرب " ؛ لأنه في معنى الصفح، كأنه قيل : أفنفصح صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين ، أي : لأن كنتم منهمكين في الإسراف، مصرّين عليه ؛ لأن حالكم اقتضى تخيلتكم وشأنكم، حتى تموتوا على الكفر والضلالة، فتبقوا في العذاب الخالد، لكن بسعة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل نهديكم إلى الحق، بإرسال الرسول الأمين، وإنزال الكتاب المبين.
ومَن قرأ بالكسر فشرط حُذف جوابه ؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو من الشرط الذي يصدرُ عن الجازم بصحة الأمر، كما يقول الأجير : إن كنتُ عملتُ لك فوفّني حقي، وهو عالم بذلك. وعبّر ب " أن " ؛ إخراجاً للمحقق مخرج المشكوك ؛ لاستهجالهم، كأن الإسراف من حقه ألا يقع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : حم أي : حببناك، ومجدناك، وملكناك، وحق الكتاب المبين. ثم استأنف فقال : إنا جعلناه أي : ما شرفناك به أنت وقومك قرآناً عربياً يفهمه مَن يسمعه لعلكم تعقلون عن الله، فتشكروا نعمه. وإنه في أُمّ الكتاب أي : وإن الذي شرفناكم به في أُمّ الكتاب. قال الورتجبي : أي : إنه صفتي، كان في ذاته منزهاً عن النقائص والافتراق - أي : منزهاً عن الحروف والأصوات، التي من شأنها التغيُّر، وعن التقديم والتأخير، وهو افتراق كلماته - إذ هما من صفات الحدث. وأُم الكتاب عبارة عن ذاته القديم، لأنها أصل جميع الصفات، لَدَيْنَا معناه : ما ذكرنا أنه في أُمّ الكتاب عندنا لعلِيّ علا عن أن يدركه أحدٌ بالحقيقة، ممتنع من انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، حكيم محكِم مبين. وقال جعفر : عَلِيّ عن درك العباد وتوهمهم، حكيم فيما دبّر وأنشأ وقدّر. هـ. فانظره، فإنَّ هذه من صفات الحق، والكلام في أوصاف القرآن.
وقوله تعالى : أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِكْرَ صفحاً الآية، قال القشيري : وفي هذه إشارة لطيفة، وهو : ألا يُقطع الكلامُ عمّن تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شأنه، فأحرى أن مَنْ لم يُقَصّرْ في إيمانه، أو تَلَطَّخَ بعصيانه، ولم يَدْخُل خَلَلٌ في عرفانه، فإنه لا يَمْنَعَ عنه رؤية لطائف غفرانه. هـ. يعني : أن الحق جلّ جلاله لم يقطع كلامه عمن تمادى في ضلاله، فكيف يقطع إحسانه عمّن تمسك بإيمانه، ولو أكثر من عصيانه. وكذلك أهل النسبة التصوفية، إذا اعوجّ أخوهم، لا يقطعون عنه كلامهم وإحسانهم، بل يلاطفونه، حتى يرجع، وهذا مذهب الجمهور.



الإشارة : حم أي : حببناك، ومجدناك، وملكناك، وحق الكتاب المبين. ثم استأنف فقال : إنا جعلناه أي : ما شرفناك به أنت وقومك قرآناً عربياً يفهمه مَن يسمعه لعلكم تعقلون عن الله، فتشكروا نعمه. وإنه في أُمّ الكتاب أي : وإن الذي شرفناكم به في أُمّ الكتاب. قال الورتجبي : أي : إنه صفتي، كان في ذاته منزهاً عن النقائص والافتراق - أي : منزهاً عن الحروف والأصوات، التي من شأنها التغيُّر، وعن التقديم والتأخير، وهو افتراق كلماته - إذ هما من صفات الحدث. وأُم الكتاب عبارة عن ذاته القديم، لأنها أصل جميع الصفات، لَدَيْنَا معناه : ما ذكرنا أنه في أُمّ الكتاب عندنا لعلِيّ علا عن أن يدركه أحدٌ بالحقيقة، ممتنع من انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، حكيم محكِم مبين. وقال جعفر : عَلِيّ عن درك العباد وتوهمهم، حكيم فيما دبّر وأنشأ وقدّر. هـ. فانظره، فإنَّ هذه من صفات الحق، والكلام في أوصاف القرآن.
وقوله تعالى : أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِكْرَ صفحاً الآية، قال القشيري : وفي هذه إشارة لطيفة، وهو : ألا يُقطع الكلامُ عمّن تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شأنه، فأحرى أن مَنْ لم يُقَصّرْ في إيمانه، أو تَلَطَّخَ بعصيانه، ولم يَدْخُل خَلَلٌ في عرفانه، فإنه لا يَمْنَعَ عنه رؤية لطائف غفرانه. هـ. يعني : أن الحق جلّ جلاله لم يقطع كلامه عمن تمادى في ضلاله، فكيف يقطع إحسانه عمّن تمسك بإيمانه، ولو أكثر من عصيانه. وكذلك أهل النسبة التصوفية، إذا اعوجّ أخوهم، لا يقطعون عنه كلامهم وإحسانهم، بل يلاطفونه، حتى يرجع، وهذا مذهب الجمهور.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير