أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين : بمعنى هل. بسم الله الرحمن الرحيم
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
ننصرف عن تذكيركم بسبب أنكم قوم مسرفون في المكابرة والعناد.
وابتدأت السورة بحرفي الحاء والميم للاسترعاء إلى ما بعدهما. ثم أعقبهما قسم رباني بالكتاب المبين الواضح في أهدافه ودعوته بأن الله إنما أنزل القرآن باللغة العربية ليستطيع العرب المخاطبون به أن يفهموه ويعقلوه. وأنه- في أم الكتاب عند الله- علي الشأن حكيم الأسلوب والمقاصد.
واحتوت الآيات بعد ذلك :
١- سؤالا استنكاريا موجها للكفار السامعين المخاطبين عما إذا كانوا يظنون أن الله تعالى يترك تذكيرهم بسبب إسرافهم في المكابرة والعناد أو تجاوز حدوده.
٢-وتذكيرا بأن الله أرسل قبلهم أنبياء عديدين فكان أقوامهم يستهزئون بهم فأهلكهم وكانوا أشد بطشا منهم، وعلى هذا جرت سنة الله في الأمم السابقة لهم.
تعليق على تعبير
أم الكتاب
وجمهور المفسرين على أن تعبير أم الكتاب هو اللوح المحفوظ١. غير أن الذي يتبادر لنا أنه بمعنى مصدر التنزيل على سبيل توكيد كون القرآن صادرا عن الله تعالى. ولعل هذا التوكيد متصل بما حكته آيات سورة فصلت، ثم آيات سورة الشورى السابقتين لهذه السورة لما كان يحتج به الكفار في معرض الإنكار باختلاف لغة القرآن عن لغة السماوية الأولى. فالقرآن صادر عن الله تعالى الذي صدرت عنه هذه الكتب. وإذا كانت لغته عربية فإن ذلك بقصد أن يفهمه المخاطبون، ولا يحتجوا بعجمته كما احتجوا بعجمة الكتب السماوية الأولى، مما انطوى في آية سورة الأنعام هذه : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ( ١٥٦ ) . على أن هذا التأويل لا يتعارض مع مفهوم اللوح المحفوظ الذي شرحناه في تفسير سورة البروج شرحا يغني عن التكرار.
تعليق على تكرار توكيد عروبة
القرآن وصلته بالله
هذا، ويلحظ أن عروبة القرآن وصلته بالله تعالى كانتا موضوعا رئيسيا في السور الثلاث السابقة، وبخاصة في سورتي فصلت والشورى، ثم في هذه السورة فضلا عما قبلها مما يدل على اشتداد لجاج الكفار في هذا الموضوع، وعلى صحة ترتيب هذه السور وتتابعها في النزول. وهو على ما هو المتبادر سبب ما روى عن سلسلة الحواميم وأوردناه في مقدمة سورة غافر من أحاديث.
وأسلوب الآيات والتوكيد يؤيد ما قلناه أكثر من مرة من أن المقصد من تعبير القرآن والكتاب كان في بدء الأمر القسم الذي احتوى الآيات المحكمات في مبادئ الدعوة وأسسها.
تعليق على آية
أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ( ٥ )
وحكمة متابعة الله في إرسال رسله
والمتبادر أن الآيات بسبيل تسجيل موقف وجاهي من مواقف المناظرة والجدل واللجاج بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والكفار، وأن الآية ( ٥ ) احتوت ردا على قول يمكن أن يكونوا قالوه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن طال إنذار القرآن وتقريعه، وأصروا على موقفهم وعنادهم وهو لماذا تتعب نفسك بعد كل هذا ولا تيأس منا وتتركنا وشأننا ؟. فأوحى الله بالآيات للرد عليهم وبيان حكمته سبحانه تذكير الناس دورا بعد دور ولم تكن مكابرة الناس وإسرافهم ليجعلاه يحيد عن هذه الحكمة حتى يظل طريق الهدى والحق واضحا بينا، وفي هذا ما فيه من روعة وجلال وتلقين مستمر المدى في وجوب متابعة الدعاة إلى الحق لدعوتهم والصبر عليها والثبات فيها برغم ما يمكن أن يلقوه من إعراض وضد واستخفاف ؛ لأن ذلك من مقتضى حكمة الله ؛ لما فيه من قوام المجتمع البشري وحياته.
التفسير الحديث
دروزة