ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

ثم بين ذلك بقوله تعالى : همُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام وهذا أشارة إلى أن الكف لم يكن الأمر ( فيهم١ ) لأنهم كفروا وصدوكم وأحصروا وكل ذلك يقتضي قتَالَهُم، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا واصطلحوا، ولم يكن بينهما خلاف ولا نزاع بلا الاختلافُ والنزاعُ باقٍ مستمر ؛ لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوكم فازدادُوا كفراً وعداوةً، وإنما ذلك للرجال المؤمنينَ والنِّساء المؤمنات٢.
قوله :«وَالهَدْيَ » العامة على نصبه، والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في «صَدُّوكُمْ٣ » وقيل : نصب على المعية. وفيه ضعف، لإمكان العطف٤. وقرأ أبو عمرو في رواية بجره عطفاً على «المَسْجِدِ الحَرَامِ »٥. ولا بد من حذف مضاف، أي وعَنْ نَحْرِ الهَدْي٦، وقرئ برفعه على أنه مرفوع بفعل مقدر لم يسم فاعله أي وصُدَّ الهَدْيُ٧.
والعامة على فتح الهاء وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو وعاصم وغيرهما كسر الدال وتشديد الياء٨. وحكى ابن خالويه ثلاث لغات الهَدْي وهي الشهيرة لغة قريش، والهَدِيّ والهَدَا٩.
قوله :«مَعْكُوفاً » حال من الهدى أي محبوساً، يقال : عَكَفْتُ الرَّجُلَ عن حاجته.
وأنكر الفارس تعدية «عكف » بنفسه١٠، وأثبتها ابن سِيدَهْ والأزهريّ وغيرُهُمَا١١. وهو ظاهر القرآن لبناء اسم مفعول منه.
قوله : أَن يَبْلُغَ فيه أوجه :
أحدها : أنه على إسقاط الخافض، أي «عَنْ » أو «مِنْ أن » وحينئذ يجوز في هذا الجار المقدر أن يتعلق «صَدُّوكُمْ » وأن يتعلق ب «مَعْكُوفاً » أي محبوساً عن بلوغ مَحِلِّهِ.
الثاني : أنه مفعول من أجله، وحينئذ يجوز أن يكون علة للصد، والتقدير : صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله وأن يكون علة ل «مَعْكُوفاً » أي لأجل أن يبلغ محله، ويكون الحبس من المسلِمِينَ١٢.
الثالث : أنه بدل من «الهدي » بدل اشتمال أي صدوا بلوغ الهدي محله.
( فصل١٣
معنى الآية هُمُ الذين كَفَرُواْ يعنى كفار مكة «وَصَدُّوكُمْ » منعوكم عَنِ المسجد الحرام أن تطوفوا فيه «وَالهَدْيَ » أي وصدوا الهدي وهي البُدْنُ التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعينَ بدنةً «مَعْكُوفاً » محبوساً، يقال : عَكَفَهُ عَكْفاً إذا حبسه، وعُكُوفاً، كما يقال : رَجَعَ رَجْعاً ورُجُوعاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ مَنْحَرَهُ١٤، وحيث يحِلّ نحرُه يعني الحرم. ثم قال : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ يعني المستضعفين بمكة١٥ ).
قوله : لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ صفة للصِّنْفين، وغلب الذكور، وقوله : أَن تَطَئُوهُمْ يجوز أن يكون بطلاً من «رجال ونساء »، وغلب الذكور كما تقدم وأن يكون بدلاً من مفعول تَعْلَمُوهُمْ، فالتقدير على الأول : ولولا وطءُ رجالٍ ونساءٍ غيرِ معلومين، وتقدير الثاني : لم تَعْلَمُوا وَطْأَهُمْ، والخبر محذوف تقديره : ولولا نساء ورجال موجودون أو بالحَضْرَةِ١٦.
( وأما جواب١٧ «لولا » ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه محذوف، لدلالة جواب «لو » عليه.
والثاني : أنه مذكور وهو «لَعَذَّبْنَا » وجواب «لو » هو المحذوف فحذف من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول.
والثالث : أن «لعذبنا » جوابهما معاً. وهو بعيد إن أراد حقيقة ذلك١٨.
وقال الزمخشري قريباً من هذا فإنه قال : ويجوز أن يكون :«لَوْ تَزَيَّلُوا » كالتكرير لِلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون «لَعَذَّبْنَا » هو الجواب١٩.
ومنع أبو حيان مرجعهما لمعنى واحد، قال : لأن ما تعلق به الأَوَّل غيرُ ما تعلَّق به الثاني )٢٠.

فصل


المعنى «لم تعلموهم » لم تَعْرِفُوهُم أَن تَطَئُوهُمْ بالقتل وتُوقعوا بهم. فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ . قال ابن زيد : إثم ذلك لأنكم ربما تقتلوهم فيلزمكم الكفَّار، وهي دليل الإثم، لأن الله تعالى أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدِّيَةِ ؛ قال تعالى : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ [ النساء : ٩٢ ]. وقال ابن إسحاق : غُرم الدية. وقيل : إن المشركين يعيبوكم ويقولون قتلوا أهل دينهم وفعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم والمَعَرَّةُ السُّبَّة يقول لولا أن تطئوا رجالاً مؤمنينَ ونساءً مؤمناتٍ لا تعلموهم فيلزمكم به كفارة ويلحقكم به سُبَّة لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك٢١.
قوله :«فَتُصِيبَكُمْ » نَسَقٌ على أَن تَطَئُوهُمْ وقوله «بغير علم » يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مَعَرَّة » وأن يكون حالاً من مفعول «تُصيبُكُمْ »٢٢ وقال أبو البقاء : مِنَ الضمير المجرور يعني في «منهم »٢٣. ولا يظهر معناه. أو أن يتعلق «بتصيبكم »٢٤ أو أن يتعلق «بتطئوهم »٢٥ ؛ أي تطئوهم بغير علم.
( فإن قيل٢٦ : هذا تكرار، لأنه إن قلنا : هو بدل عن الضمير يكون التقدير : لم تعلموا أن تَطَئُوهُمْ بغير علم فيلزم تكرار بغَيرِ عِلْمٍ لحصوله بقوله : لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ؟.
فالجواب : أن يقال : قوله :«بِغَيْرِ عِلْمٍ » هو في موضعه أي فتصيبكم منهم مَعَرَّةٌ بغير علم من ( الذي٢٧ ) يعرّكم ويعيبُ عليكم، يعني إن وَطَأتُمُوهُمْ غير عالمين يعركم ( مَسبَّة٢٨ ) الكفار «بغير علم » أي بجهل لأنهم لا يعلمون أنكم معذورون فيه. أو يقال تقديره : لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم فيكون الوطء الذي يحصل بغير علم معذورين فيه. أو نقول : المعرَّة قسمان :
أحدهما : ما يحصل من القتل العمد العدوان ممن هو غير عالم بحال المحِلّ.
والثاني : ما حصل من القتل خطأ وهو عند٢٩ عدم العلم فقال : تصبيكم منهم معرة بغير علم لا التي تكون عند٣٠ العلم ).
والوَطْءُ هنا عبارة عن القَتْلِ والدَّوْسِ، قال عليه الصلاة والسلام :«اللَّهُمَ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ »٣١ وأنشدوا :
٤٤٩٥ وَوَطِئْتَنَا وَطْاً عَلَى حَنَقٍ وَطْءَ المُقَيَّدِ ثَابِتَ الهَرَمِ٣٢
قوله :«لِيُدْخِلَ اللهُ » متعلق بمقدر أي كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله٣٣. وقال البغوي : اللام في ليدخل متعلق بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله في رحمته أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن يدخلوها٣٤.
قوله :«لوْ تَزَيَّلُوا » : قرأ بانُ أبي عَبْلَةَ وأبو حيوة وابنُ عَوْن٣٥ تَزَايَلُوا٣٦ على تَفَاعَلُوا.
والضمير في تزايلوا يجوز أن يعود على المؤمنين فقط، أو على الكافرين، أو على الفريقين. والمعنى لو تمَيَّزَ هؤلاءِ من هؤلاءِ لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً بالسَّبْيِ والقتْل بأيديكم.
١ ما بين القوسين زيادة من الرازي، فقد أشار الناسخ في النسختين بقوله كذا بياض في الأصل وفي الرازي: إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم، لأنهم كفروا، وصدوا وأحصروا..
٢ بالمعنى من تفسير الإمام ٢٨/٩٩..
٣ وهو اختيار الرازي في مرجعه السابق ومن قبل الزمخشري في الكشاف ٣/٥٤٧..
٤ المحض وهو ما جوزه ابن مالك ولكن الجمهور خصوه بما صلح فيه بمعنى العطف ومعنى المفعول به فلا يجوز حيث لا يتصور معنى العطف لقيام الأدلة على أن واو "مع" عطف في الأصل ولا حيث تمحض معنى العطف لأن دخول معنى المفعول به هو الذي سوغ خروجه بما يقتضيه العطف من المشاكلة التي تؤثرها العرب على غيرها وسواء صلح فيه العطف حقيقة أو مجازا. وانظر الهمع ١/٢١٩..
٥ وهي قراءة الجهني عن أبي عمرو. وانظر البحر ٨/٩٨ والكشاف ٣/٥٤٧..
٦ البحر المرجع السابق..
٧ لم تنسب في كل من المرجعين السابقين..
٨ لم ترو في المتواتر عنهما. انظر البحر ٨/٩٨ ومختصر ابن خالويه ١٤٢ و١٤٣..
٩ المرجع السابق..
١٠ قال: لأنا لا نعلم عكف جاء متعديا القرطبي ١٦/٢٨٤..
١١ انظر التهذيب والمخصص عكف ومعاني الفراء ٣/٦٧..
١٢ قال بالوجه الأول فقط الكشاف ٣/٤٧، وقال بالثلاثة الأوجه صاحب البحر المحيط ٨/٩٨..
١٣ ما بين القوسين كله سقط من نسخة (ب)..
١٤ قاله الفراء في المعاني ٣/٦٨..
١٥ وانظر القرطبي أيضا ١٦/٢٨٣، ٢٨٤..
١٦ قال بهذه الإعرابات أبو البقاء العكبري في التبيان ١١٦٧..
١٧ ما بين القوسين كله من هنا إلى نهاية الأقواس الآتي بعد ساقط من نسخة (ب)..
١٨ انظر التبيان ١١٦٧ وقد قال بالإعرابات السابقة أيضا أبو حيان في البحر ٨/٩٨..
١٩ الكشاف ٣/٥٤٨..
٢٠ وقال: "فالمعنى في الأولى ولولا وطء قوم مؤمنين والمعنى في الثانية لو تميزوا من الكفار وهذا معنى مغاير للأول مغايرة ظاهرة" انظر البحر ٨/٩٨..
٢١ وانظر في هذا تفسير العلامة القرطبي في الجامع ١٦/٢٨٥..
٢٢ التبيان ١١٦٧..
٢٣ السابق..
٢٤ البحر ٨/٩٨..
٢٥ وهو قول الزمخشري في الكشاف ٣/٤٨، ونقله عن الرازي في التفسير الكبير ٢٨/٩٩..
٢٦ ما بين القوسين كله سقط من نسخة (ب)..
٢٧ كذا أوردها الناسخ زيادة عن الرازي..
٢٨ زيادة من الرازي للسياق..
٢٩ في الرازي: "غير"..
٣٠ وفيه: "عن" بدل من عند. وانظر بالمعنى تفسير الرازي ٢٨/٩٩ و١٠٠..
٣١ اللسان وطأ ٤٨٨٣..
٣٢ من الكامل أحذ العروض والضرب، ولم أهتد إلى قائله. وشاهده: في "وطئتنا" وهو القتل والدوس وانظر اللسان والبحر ٨/٩٨ والكشاف ٣/٥٤٨ وشرح شواهده ٤/٥٤٠..
٣٣ قاله أبو حيان في البحر ٨/٩٩..
٣٤ معالم التنزيل ٦/٢١٢..
٣٥ مع ابن مقسم..
٣٦ وهي شاذة غير متواترة. انظر البحر ٨/٩٩ والكشاف ٣/٥٤٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية